(الضؤ الشارد) عندما تتحول التهنئة إلى بيان سيادي… جوبا في قلب معركة الشرعية السودانية بقلم/ ملوك ميوت ايواك

في الدبلوماسية لا تُقرأ التهاني بوصفها مجاملات موسمية بل باعتبارها رسائل سياسية تحمل ما هو أبعد من كلمات التبريك. ولهذا اكتسبت التهاني التي تلقتها جمهورية جنوب السودان بمناسبة الذكرى الخامسة عشرة للاستقلال أهمية استثنائية بعدما صدرت من سلطتين تتنافسان على الشرعية والتمثيل في السودان حكومة الأمر الواقع برئاسة الفريق أول عبد الفتاح البرهان وحكومة السلام بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي).
هذا المشهد يعكس أن جنوب السودان لم يعد مجرد دولة جارة بل أصبح طرفا يحظى باهتمام جميع القوى السودانية الساعية إلى تثبيت حضورها الإقليمي وكسب الاعتراف السياسي. فالطرفان رغم اختلافهما وصراعهما التقيا عند نقطة واحدةوهو ضرورة الحفاظ على العلاقة مع جوبا وعدم ترك الساحة الدبلوماسية للآخر.
تهنئة البرهان يمكن قراءتها بوصفها رسالة تؤكد استمرار التزام الدولة السودانية الرسمية بالعلاقات التاريخية مع جنوب السودان وأن الخرطوم ما زالت تنظر إلى جوبا باعتبارها شريكا إستراتيجيا في ملفات الأمن والحدود والتجارة والنفط. وهي أيضا محاولة لإظهار أن الحكومة التي يقودها البرهان ما تزال تمارس وظائفها السيادية وتمثل السودان في محيطه الإقليمي.
في المقابل حملت تهنئة حكومة السلام بقيادة حميدت مختلفة في مضمونها السياسي فهي تعكس سعيا لتأكيد أنها ليست مجرد طرف عسكري وإنما مشروع سياسي يسعى إلى بناء علاقات خارجية مع دول الجوار ويحرص على تقديم نفسه بوصفه شريكا في صناعة السلام والاستقرار الإقليمي.
واللافت أن جوبا لم تكن مجرد متلق للتهنئتين بل بدت دولة تحظى باهتمام الطرفين وهو ما يمنحها مساحة أوسع للمناورة الدبلوماسية ويؤكد أن موقعها الجغرافي وتشابك مصالحها مع السودان يجعلانها لاعبا مهما في أي ترتيبات مستقبلية تخص المنطقة.
كما أن الرسالة غير المعلنة في التهنئتين تتمثل في إدراك الطرفين أن استقرار العلاقات مع جنوب السودان ليس خيارا ثانويا بل ضرورة سياسية وأمنية واقتصادية. فملفات النفط وحركة التجارة وأمن الحدود واللاجئين والمجتمعات الحدودية كلها تجعل التعاون بين البلدين أمرا لا يمكن تجاهله مهما بلغت حدة الصراع داخل السودان.
إن التهاني المزدوجة تكشف أيضا أن المعركة لم تعد ميدانية فقط بل انتقلت إلى ميدان الدبلوماسية والاعتراف السياسي. وكل رسالة تهنئة تحمل في طياتها محاولة لترسيخ صورة معينة أمام الإقليم وإقناع دول الجوار بأنها الجهة الأقدر على تمثيل السودان وإدارة علاقاته الخارجية.
وفي النهاية فإن الحدث يتجاوز بروتوكول الاحتفال بعيد الاستقلال. إنه يعكس تنافسا سياسيا على كسب ثقة الجوار ويؤكد أن جنوب السودان أصبح رقما مهما في معادلة الإقليم. وبين تهنئة البرهان وتهنئة حكومة السلام تبدو الرسالة الأوضح أن من يريد التأثير في مستقبل السودان يدرك أن الطريق إلى الاستقرار يمر أيضا عبر جوبا وأن الدبلوماسية أصبحت إحدى ساحات التنافس الأكثر أهمية إلى جانب السياسة والميدان.


