ريحة البلد الجالية السودانية بسلطنة عمان تركت لتواجه مصيرها وحدها فلماذا نحارب قيام مجلسها؟ بقلم: د/ سارة عبد العزيز الزبير

في فترة سابقة، أطلقنا مبادرة لتكوين مجلس الجالية السودانية في سلطنة عمان، انطلاقا من إيمان حقيقي بأهمية وجود هذا المجلس، وإدراك لحجم الدور الذي يمكن أن يقوم به في خدمة السودانيين، خاصة في ظل الظروف الاستثنائية التي فرضتها الحرب على آلاف الأسر والأفراد.
لم تكن المبادرة بحثا عن منصب، ولا رغبة في إنشاء كيان جديد لمجرد الإنشاء، ولم تكن وليدة موقف شخصي أو خصومة مع أحد. كانت ببساطة استجابة لشعور عميق بأن الجالية السودانية في سلطنة عُمان تحتاج إلى كيان مؤسسي يحمل قضاياها، ويتابع مشكلاتها، ويعمل من أجلها بصورة منظمة ومستدامة، بدل أن تظل قضايا الناس رهينة للمبادرات الفردية واجتهادات الأشخاص.
لكن، سبحان الله، واجهت المبادرة انتقادات، ووجدنا أن قضية مجلس الجالية تحمل في داخلها خلافات قديمة تعود إلى سنوات بعيدة، وأن هناك حساسيات بين بعض الشخصيات، إضافة إلى المقارنة المستمرة بين النادي السوداني ومجلس الجالية، وكأن وجود أحدهما يلغي الحاجة إلى الآخر.
والحقيقة أن الأمر أبسط من ذلك بكثير.
كان هناك مجلس للجالية من قبل، ومعروف دور المجلس، كما أن دور الأندية معروف.
فلماذا كل هذا الخلط؟
إذا كانت الأندية السودانية قد استطاعت أن تغطي كل احتياجات الجالية، وأن تتصدى لمشكلاتها، وأن تتابع قضاياها القانونية والإنسانية والاجتماعية، وأن تقف مع المتعسرين، وتساعد من لا يستطيع دفع إيجاره
وتتابع من دخل السجن أو وقع في مشكلة، فمن المؤكد أن الناس لم يكونوا سيطالبون أصلا بقيام مجلس للجالية.
نحن لا ننتقص من دور الأندية، ولا ننكر ما قدمته، ولا نقلل من جهود الأشخاص الذين عملوا فيها. بالعكس، هناك رجال ونساء قدموا الكثير، وهناك أندية لها تاريخها ومكانتها ودورها الاجتماعي والثقافي.
لكن النادي شيء، ومجلس الجالية شيء آخر.
الأندية بطبيعتها أندية اجتماعية وثقافية، ولها عضوية واشتراكات وخدمات تقدمها للأعضاء. أما مجلس الجالية، فالمفترض أن يكون كيانا يخدم عموم أبناء الجالية، خصوصا أولئك الذين لا يملكون القدرة على دفع الاشتراكات أو تحمل تكاليف الخدمات.
مجلس الجالية يجب أن يكون صوت المتعسر، وسند من لا سند له، والجهة التي تساعد في توجيه الناس إلى الطريق الصحيح، وتتابع القضايا والمشكلات، وتعمل على حماية مصالح السودانيين، بالتنسيق مع الجهات المختصة.
نحن بحاجة إلى المؤسسية، لا إلى المزيد من المبادرات الفردية.
*ماذا قدمنا للسودانيين الذين جاءوا بعد الحرب؟*
من أكثر الأشياء التي آلمتنا خلال الفترة الماضية أن نسمع من يقول إن السودانيين الذين عاشوا في سلطنة عمان منذ سنوات هم صفوة وخيرة المجتمع، وأن الذين جاءوا بعد الحرب جلبوا معهم المشاكل والهموم.
نعم، نحن لا ننكر أن في سلطنة عُمان سودانيين مقيمين منذ عشرات السنين، لهم تاريخ مشرف، ومكانة محترمة، وإسهامات مقدرة. نعرف أطباء وأساتذة ومهنيين وشخصيات سودانية عظيمة، وهناك بالفعل أشخاص وقفوا وما زالوا يقفون مع قضايا الناس، وهناك من يخرج من الصباح لمتابعة أحوال سوداني، أو مساعدة شخص لا يستطيع دفع إيجاره، أو الوقوف مع إنسان وقع في مشكلة.
وهذا عمل نشكره ونقدره.
لكن السؤال الذي يجب أن نطرحه بكل محبة وصدق
إذا كنا فعلا مجتمعا واحدا، *فلماذا لم نستطع أن نحتوي السودانيين الذين جاءوا بعد الحرب بالشكل الذي يليق بهم؟*
هؤلاء لم يأتوا بحثا عن رفاهية.
هؤلاء جاءوا من ويلات الحرب.
جاءوا وهم يحملون فقدا وخوفا وقلقا وذكريات لا تنسى. بعضهم فقد بيته، وبعضهم فقد مصدر رزقه، وبعضهم ترك أهله، وبعضهم خرج من السودان وهو لا يعرف أين ستكون نهايته.
جاءوا إلى بلد جديد، بقوانين وإجراءات وسوق عمل مختلف، وكثير منهم لا يعرف ما هو السجل التجاري، ولا كيف يبدأ مشروعا، ولا كيف يتعامل مع الإجراءات، ولا إلى أين يتوجه عندما يقع في مشكلة.
فهل كان المطلوب أن نقول لهم *أنتم جئتم بالمشاكل؟*
*أم كان الأجدر أن نقول*
*أنتم أهلنا.. وهذه بلادكم* ا*لثانية.. تعالوا نقف معكم؟*
*الجالية السودانية في عمان تحتاج إلى احتواء*
*السودانيون القادمون بعد الحرب واجهوا واقعا صعبا*
مدخرات بدأت تنفد، وفرص عمل محدودة، ومشكلات في السكن، وقضايا قانونية، وديون، واحتياجات أسرية، وأشخاص لا يعرفون كيف يتصرفون في بلد جديد.
بعضهم دخل السجن، وبعضهم وقع ضحية للاستغلال، وبعضهم خسر أمواله، وبعضهم وجد نفسه أمام مشكلة لم يكن يعرف كيف يتعامل معها.
وهنا تظهر قيمة المؤسسة.
لأن المؤسسة لا تنتظر أن يعرف الإنسان أين يذهب، وإنما تساعده على معرفة الطريق.
ولهذا أقولها بوضوح
*الجالية السودانية في سلطنة عمان تحتاج إلى كيان مؤسسي يحتضنها*
وهذا لا يعني أن كل السودانيين القدامى قصروا، ولا يعني أن كل الأندية لم تقدم شيئا، ولا يعني أن السفارة لم تبذل جهدا.
هناك جهود مقدرة من أفراد وجهات مختلفة، ولا يجوز أن ننكرها.
لكن حجم المعاناة أكبر من أن تتحمله جهود فردية متفرقة.
*أنا لا أتصدر المشهد أنا أشعر بوجع الناس*
عندما يقول لي أحدهم والموسف أنه ع راس هرم موسسي اجتماعي
*يا دكتورة سارة، إنتِ بتتصدي للمواضيع*
أسأل نفسي
أي مواضيع؟
هل أتصدر من أجل منصب؟
هل أبحث عن مصلحة؟
هل أريد رئاسة المجلس؟
هل أريد عضوية؟
الحقيقة أنني كنت أتمنى أن يكون السؤال مختلفا.
كنت أتمنى أن يسألني
*ما هي هموم الجالية؟ ماذا يعاني السودانيون؟ وكيف نستطيع أن نساعدهم؟*
أنا لم أتحدث عن مجلس الجالية لأنني أبحث عن مكان فيه.
تحدثت لأنني أشعر بوجع الناس.
ولأنني مؤمنة بأن العمل المؤسسي أفضل من أن يظل السودانيون ينتظرون مبادرة من شخص هنا أو شخص هناك.
أنا لا أريد منصبا، ولا أريد شيئًا لنفسي
بل على العكس، أنا مستعدة أن أدعم أي عمل يخدم الجالية بوقتي ومالي وجهدي، إيمانا مني بأن خدمة الناس ليست منصبا، وإنما مسؤولية وشرف.
وأقول لمن سبقونا إلى هذه البلاد
لماذا عندما جاءت امرأة ورفعت صوتها من أجل قضية الجالية، لم تجدوا فيها امرأة تستحق الدعم؟
لماذا لم تقولوا
نحن معك.. شدي حيلك ونحن خلفك”؟
لماذا أصبحت المطالبة بحق الناس تفسر بأنها تصدر للمشهد؟
لا أريد أن أتصدر.
أريد أن أخدم.
لا نريد أن نحول مجلس الجالية إلى ساحة سياسية
ومنذ البداية كان موقفنا واضحا:
مجلس الجالية ليس ساحة للصراع السياسي.
لا نريد حزبا، ولا نريد استقطابا، ولا نريد أن يتحول المجلس إلى امتداد للخلافات السياسية السودانية.
حتى الاختلاف حول المواقف من الجيش أو غيره ليس هو موضوعنا.
الجيش جيش السودان، والسودان وطننا جميعا، لكن قضيتنا هنا قضية السوداني الذي يعيش في سلطنة عُمان ويعاني.
قضيتنا
كيف نخدمه؟
كيف نساعده؟
كيف نقف معه؟
كيف نتابع قضيته؟
كيف نساعد المتعسر؟
كيف نقف مع من لا يستطيع دفع إيجاره؟
كيف نساعد من وقع في مشكلة قانونية؟
كيف نوجه من دخل السجن؟
كيف نساعد القادم الجديد الذي لا يعرف قوانين البلد وإجراءاته؟
هذه هي قضيتنا.
سلطنة عُمان فتحت أبوابها.. فماذا فعلنا نحن؟
سلطنة عُمان بلد عرفناه بالخير والكرم وحسن التعامل، وظلت أبوابها مفتوحة أمام السودانيين في وقت أغلقت فيه دول كثيرة أبوابها بسبب ظروف الحرب.
ولهذا فإن السوداني الذي جاء إلى عمان لم يكن ينبغي أن يشعر أنه وحيد.
كان يجب أن يجد أخاه السوداني إلى جانبه.
كان يجب أن يجد من يقول له:
أنت لست وحدك.
هذه ليست مسألة سياسة.
هذه مسألة وطنية وإنسانية وأخلاقية.
فنحن عندما نغادر السودان لا نغادر سودانيتنا.
نحمل السودان معنا أينما ذهبنا.
نحمل لهجتنا، وكرمنا، وطيبة أهلنا، وذكريات بيوتنا، وأحياءنا، ونيلنا، وقرانا، ومدننا، ورائحة التراب بعد المطر.
نحمل *ريحة البلد* في قلوبنا.
والسوداني الذي جاء إلى عمان بسبب الحرب لم يترك وطنه بإرادته، وإنما أجبرته الظروف.
فكيف لا نكون له وطنًا صغيرًا في الغربة؟
*مجلس الجالية ليس ملكا لأحد*
*لذلك أتمنى من كل الشخصيات التي تفكر في الترشح لرئاسة الجالية أو قيادة المجلس أن تضع مصلحة الجالية فوق كل خلاف شخصي*.
إذا كانت هناك خلافات قديمة بين شخص وآخر فليجلس الجميع.
إذا كان هناك خلاف بين A وB وC
فليضع الجميع هذه الخلافات جانبا.
لأن المجلس ليس ملكا لشخص.
وليس مشروعا لشخص.
وليس مكانا لتصفية الحسابات.
المجلس ملك للجالية السودانية كلها.
ومن يرى نفسه غير قادر على العمل مع الآخرين بسبب خلافات قديمة، فالأفضل أن يبتعد عن الصراع، لأن قيام مؤسسة تخدم آلاف السودانيين أكبر من أي شخص، وأهم من أي خلاف.
لنضع السودان فوق الأشخاص
نحن اليوم في أمس الحاجة إلى أن نتعلم كيف نختلف دون أن نتخاصم، وكيف نتنافس في الخير دون أن نكسر بعضنا، وكيف نضع مصلحة الناس فوق مصالحنا الشخصية.
وأنا أقدر كل شخص يقف مع قيام المجلس من أجل المبدأ، لا من أجل المنصب.
وقد شعرت أن هناك شخصيات دفعت باتجاه التوافق، ومن بينها د.المنشتح، الذي كان حريصا على أن يجلس المختلفون مع بعضهم، وأن يصلوا إلى توافق حتى يمضي الأمر إلى الأمام.
وهذا هو المطلوب.
أن تكون الأولوية لقيام المؤسسة، وليس لمن سيكون في مقدمتها.
أن يكون همنا كيف نخدم؟
وليس من سيقود؟
أن نسأل ماذا ستقدم الجالية؟
وليس من سيجلس على الكرسي؟
الجالية لا تحتاج إلى مزيد من الخلافات
في النهاية، نحن لا نريد معركة مع أحد.
ولا نريد أن ننتقص من أحد.
ولا نريد أن نمحو تاريخ أحد.
نحن فقط نقول إن المرحلة تغيرت، والظروف تغيرت، وحجم الجالية تغير، واحتياجات الناس تغيرت، وبالتالي أصبح من الضروري أن تتطور أدواتنا في خدمة السودانيين.
المبادرات الفردية مهمة، ولكنها لا تكفي.
الأندية مهمة، ولكنها لا تغطي كل الأدوار.
السفارة اساسية، ولكنها ليست بديلا عن كيان مجتمعي مؤسسي.
والمجلس ليس منافسا لأحد.
بل يمكن أن يكون حلقة وصل وتنسيق وتكامل بين الجميع.
لذلك، دعونا نضع خلافاتنا جانبا.
دعونا نفتح قلوبنا لبعضنا.
دعونا نتذكر أننا في الغربة لا نملك رفاهية أن نكون أعداء.
السوداني في عمان يحتاج أخاه السوداني.
والجالية السودانية تحتاج إلى من يحتضنها، ويسمعها، ويقف معها، ويحفظ كرامتها، ويساعدها في وقت الشدة.
فلا تجعلوا الخلافات القديمة عثرة أمام قيام مؤسسة قد تخدم آلاف السودانيين.
مجلس الجالية ليس منصبا.
وليس مطمعا.
وليس ساحة سياسية.
وليس ملكا لأحد.
إنه ببساطة محاولة لأن ننتقل من العمل الفردي إلى العمل المؤسسي، ومن ردود الأفعال إلى التخطيط، ومن المبادرات المتفرقة إلى كيان يستطيع أن يخدم الناس بصورة منظمة ومستدامة.
لأن الجالية السودانية في سلطنة عمان اليوم لا تحتاج إلى مزيد من الخلافات.
تحتاج إلى الرحمة.
تحتاج إلى الاحتواء.
تحتاج إلى التكاتف.
تحتاج إلى من يسمع وجعها.
وتحتاج قبل كل شيء إلى مؤسسة حقيقية اسمها مجلس الجالية السودانية في سلطنة عمان.
هذه ليست قضية أشخاص.. هذه قضية وطن.
وهذه ليست معركة على كرسي.. هذه محاولة لحفظ كرامة سوداني جاء إلى الغربة يحمل معه وطنًا كاملًا في قلبه.
إنها *ريحة البلد*
التي يجب ألا نفقدها ونحن بعيدون عن السودان.


