مقالات الرأي

فريق شرطة حقوقي دكتور الطيب عبدالجليل حسين يكتب البصمة الوراثية بين الحقيقة البيولوجية والحقيقة القانونية(قراءة نقدية في الطعن رقم 20 لسنة 2026 أحوال شخصية المحكمة الاتحادية العليا – الامارات العربية المتحدة) من منظور نظرية الإثبات المعاصر (4)

 

يثير قضاء المحكمة الإماراتية بشأن حجية البصمة الوراثية (DNA) في إثبات النسب مسألة جوهرية تتصل بشروط قبول الدليل وإنتاجيته في الأنظمة القانونية التي تستند إلى قواعد الشريعة الإسلامية؛ إذ لا يكفي، في هذا السياق، أن تكون النتيجة الجينية كاشفة عن الحقيقة البيولوجية، وإنما يتعين كذلك قيام الرابطة الشرعية المنشئة للنسب التي تجعل لهذا الدليل محلاً وأثراً في دعوى النسب. فإذا انتفت هذه الرابطة، فإن قوة الدليل الجينية، مهما بلغت من الناحية العلمية، لا تكفي بذاتها لإنشاء رابطة نسب ذات أثر قانوني أو شرعي، ولا يكون الدليل منتجاً في الدعوى بالمعنى الذي يرتب النتيجة القانونية المقصودة.

ولعل السابقة القضائية الإماراتية المرتبطة بالزنا، وغيرها من السوابق المرتبطة بالاغتصاب في الدول التي تستند في تنظيم مسائل النسب إلى قواعد الشريعة الإسلامية، تحمل دلالات مهمة في تحديد أثر البصمة الوراثية في مسائل النسب؛ وهو ما يطرح، من حيث المقارنة، النظر في الاستخدامات الأوروبية والغربية للبصمة الوراثية، بما يساعد على وضع المسألة في إطار أكثر شمولاً، وإبراز الفروق بين الكشف عن الحقيقة البيولوجية وبين ترتيب الأثر القانوني أو الشرعي المترتب عليها.

(أولاً) الاستخدامات الأوروبية والغربية للبصمة الوراثية (DNA) وتطبيقاتها القضائية المعاصرة:

———————————

تتخذ البصمة الوراثية (DNA) في النظم القانونية الأوروبية والغربية نطاقاً واسعاً من التطبيقات القضائية، ولا تنحصر وظيفتها في إثبات النسب، وإنما أصبحت أداة مركزية في الكشف عن الحقيقة البيولوجية وتحديد الهوية وإسناد الوقائع محل النزاع أو التحقيق إلى مصادرها البيولوجية. وتبرز أهميتها بوجه خاص في الإثبات الجنائي وتحديد هوية الجناة، وإثبات الأبوة أو نفيها، والتعرف على المفقودين وضحايا الكوارث والحروب، وإعادة فحص القضايا الجنائية القديمة، والبحث العائلي الجيني، فضلاً عن المسائل المرتبطة بحماية الخصوصية والبيانات الوراثية.

وفي مجال النسب والأبوة، يختلف هذا المدخل في جانب من النظم القانونية الأوروبية والغربية عن البناء القائم على رابطة شرعية منشئة للنسب؛ إذ لا تقوم مسألة إثبات النسب بالضرورة على ذات البنية المفاهيمية، وإنما تتجه القواعد القانونية والقضائية إلى البحث في الرابطة الواقعية والقرائن المنشئة أو الكاشفة عنها، ومن بينها ما يعرف بافتراض العلاقة الناشئة عن المعاشرة أو (cohabitation). ويقصد بهذا الافتراض (العلاقة الناشئة عن المعاشرة أو cohabitation)، في مفهومه القانوني العام، اعتبار المعاشرة المستقرة أو الحياة المشتركة بين رجل وامرأة واقعةً يمكن أن يستخلص منها القانون أو القضاء، بحسب النظام المعني وشروطه، احتمال قيام علاقة جنسية أو أسرية وما قد يترتب عليها من آثار، دون أن يعني ذلك بالضرورة ثبوت النسب أو الأبوة بصورة قاطعة؛ إذ يظل هذا الافتراض قابلاً لإثبات العكس أو مزاحمته بالأدلة الأخرى وفقاً للقانون الواجب التطبيق.

ومن ثم، أصبحت البصمة الوراثية في هذه النظم أداة مركزية للكشف عن الأصل البيولوجي وتحديد الأبوة أو الأمومة الجينية، ثم ترتيب الآثار القانونية المترتبة على هذه الحقيقة وفقاً للقواعد المنظمة للعلاقات الأسرية والشخصية والمالية في كل نظام قانوني. فالمعاشرة أو القرائن المرتبطة بها قد تؤسس لافتراض قانوني أو واقعي، بينما يأتي الفحص الجيني ليكشف، بدرجة عالية من القوة العلمية، عن الصلة البيولوجية ذاتها؛ وبذلك تتكامل القرينة الواقعية مع الدليل العلمي، مع بقاء تحديد الأثر القانوني النهائي خاضعاً للقواعد التي تحكم إنشاء النسب وإثباته وترتيب نتائجه.

وتدور نسبة معتبرة من المنازعات القضائية المرتبطة بهذه المسائل حول الآثار القانونية المترتبة على ثبوت النسب أو نفيه، ولا سيما نفقة البنوة، والحقوق الإرثية، والحقوق المالية والعائلية، وحقوق الزوجة في الملكية المشتركة (common ownership)، فضلاً عن استحقاق بعض صور العون أو المساعدة الاجتماعية التي تقدمها الدولة. ويقصد بالملكية المشتركة، في معناها القانوني العام، اشتراك شخصين أو أكثر في ملكية مال أو حق مالي واحد، بحيث تكون لكل منهم حصة أو مصلحة قانونية فيه وفقاً للقواعد المنظمة للملكية في النظام المعني؛ ومن ثم قد يكون ثبوت العلاقة الأسرية أو الزوجية مؤثراً في تحديد الحقوق المالية أو الملكية المشتركة التي تنشأ أثناء الحياة الزوجية أو بمناسبتها، بحسب القانون الواجب التطبيق.

وهنا تتجلى أهمية التمييز بين مستويين متداخلين، ولكن غير متطابقين: الحقيقة البيولوجية التي يكشف عنها الفحص الجيني، والحقيقة القانونية التي تتحدد آثارها وفقاً للقواعد التي يعتمدها كل نظام قانوني في إنشاء النسب وإثباته وترتيب نتائجه. فالبصمة الوراثية قد تحسم، من الناحية العلمية، مسألة الأصل البيولوجي أو الأبوة الجينية، إلا أن الأثر القانوني لهذه النتيجة لا يتحدد بالعلم وحده، وإنما بالقواعد القانونية التي تمنحها حجيتها وتحدد نطاق آثارها في مجال النسب والحقوق الأسرية والمالية والاجتماعية.

كما تمتد تطبيقات الـ DNA في المجال الجنائي إلى تحديد هوية الفاعل، وربط الشخص بمسرح الجريمة أو بمادة بيولوجية معينة، وإثبات أو نفي الصلة بين الأشخاص والأشياء والأماكن، ولا سيما في جرائم الاعتداءات الجنسية والاغتصاب؛ حيث يمكن للمادة البيولوجية أن توفر رابطاً علمياً بين المتهم أو المجني عليه والواقعة محل التحقيق. وقد أتاح تطور تقنيات التحليل الجيني كذلك إعادة فحص الأدلة المحفوظة في القضايا القديمة، بما أدى في بعض الحالات إلى تعزيز أدلة الإدانة أو تصحيح أحكام سابقة أو كشف هوية أشخاص ظلوا مجهولين لفترات طويلة.

ولم يعد التعامل القضائي مع البصمة الوراثية في هذه النظم مقتصراً على السؤال عن قبولها كدليل علمي، بل امتد إلى فحص شروط إنتاجها وسلامتها وقيمتها الإثباتية، بما في ذلك مصدر العينة، وطريقة الحصول عليها، وسلامة حفظها وسلسلة حيازتها، وكفاءة المختبر، والمنهج العلمي المستخدم، واحتمالات الخطأ، والقوة الإحصائية للنتيجة، وحدود ما يمكن استخلاصه منها. ومن ثم، أصبحت البصمة الوراثية جزءاً من منظومة إثبات علمي متكاملة، لا دليلاً معزولاً عن ظروف إنتاجه وتفسيره وتقييمه القضائي.

وتكشف هذه الممارسة الأوروبية والغربية عن أهمية التمييز بين الحقيقة البيولوجية والحقيقة القانونية؛ فالفحص الجيني قد يكشف، بدرجة عالية من القوة العلمية، عن وجود صلة بيولوجية بين شخصين، إلا أن الآثار القانونية المترتبة على هذه الحقيقة تظل مرتبطة بالقواعد التي يعتمدها كل نظام قانوني في تنظيم النسب والأبوة والحقوق الناشئة عنهما. ولذلك لا ينحصر السؤال القضائي في: ماذا تكشف البصمة الوراثية؟، وإنما يمتد إلى سؤال آخر: ما الأثر القانوني الذي يمكن أن يرتب على ما تكشفه؟

ومن هذه الزاوية، تمثل التطبيقات الأوروبية والغربية للبصمة الوراثية نموذجاً متقدماً لتحول الدليل العلمي من مجرد وسيلة فنية مساعدة إلى عنصر أساسي في بناء الحقيقة القضائية، مع بقاء قيمته القانونية رهناً بسلامة إنتاجه، وقوة دلالته، واتصاله بالواقعة محل الإثبات، والقواعد القانونية التي تحدد نطاق الأثر الذي يمكن أن ينتجه. وبهذا المعنى، فإن الـ DNA يكشف الحقيقة البيولوجية بكفاءة علمية عالية، بينما تظل الحقيقة القانونية والأثر القضائي نتاجاً لتفاعل تلك الحقيقة العلمية مع قواعد الإثبات والقانون الموضوعي في النظام القانوني المعني.

(ثانياً) أهم التطبيقات القضائية الأوروبية الغربية:

———————————

في المجال الجنائي، يُستخدم الـ DNA لربط الآثار البيولوجية بمصدرها المحتمل، سواء كانت دماً أو لعاباً أو سائلاً منوياً أو خلايا جلدية أو غيرها، كما يُستخدم في التعرف على الجثامين والمفقودين. ولا تتحدد قيمة النتيجة بمجرد وجود التطابق الجيني، وإنما بسلامة العينة وسلسلة حيازتها، وطريقة تحليلها، واحتمالات الخطأ أو التلوث، والقوة الإحصائية للنتيجة، ومدى اتساقها مع باقي أدلة الدعوى.

وفي هذا السياق، تُقصد بالقوة الإحصائية للنتيجة مدى قدرة النتيجة الجينية على تمييز مصدر العينة عن غيره، استناداً إلى ندرة النمط الجيني واحتمال ظهوره مصادفةً لدى شخص آخر؛ فكلما انخفض احتمال المطابقة العشوائية، ازدادت القوة التمييزية للدليل.

وفي الاتجاه المقابل، أصبح الـ DNA وسيلة مهمة لنفي الاتهام وإعادة فحص الأحكام الجنائية السابقة؛ إذ يمكن إعادة تحليل العينات المحفوظة في القضايا القديمة، وقد تكشف النتيجة الجينية عدم صلة شخص سبق إدانته بالأثر البيولوجي محل الدعوى. وهنا تظهر قيمة الدليل العلمي في صورتها الأكثر وضوحاً: فالدليل الجيني ليس بطبيعته دليلاً للإدانة، وإنما يمكن أن يكون كذلك دليلاً للبراءة وإعادة بناء الحقيقة القضائية.

وفي مجال الأحوال الشخصية، تستخدم الفحوص الجينية في دعاوى الأبوة والنفقة والميراث والحقوق المرتبطة بالطفل، مع اختلاف الأثر القانوني من نظام إلى آخر. كما ارتبطت بعض المنازعات الأوروبية والغربية بحق الشخص في معرفة أصله البيولوجي، وبالموازنة بين هذا الحق وبين استقرار الأسرة والمراكز القانونية القائمة. ومن السوابق المهمة في هذا السياق أحكام المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، ومن بينها قضيتان مهمتان تحديداً لأن المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان عالجت فيهما حق الشخص في معرفة أصله البيولوجي في إطار المادة 8 من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، مع اختلاف وقائع كل منهما.

ففي قضية Mikulić v. Croatia، الحكم الصادر 7 فبراير 2002، الطلب رقم 53176/99، وتتعلق القضية بطفلة كرواتية، Mikulić، ولدت خارج الزواج، وأقامت دعوى لإثبات أبوتها ضد الرجل الذي ادعت أنه والدها. أمرت المحكمة الوطنية بإجراء فحص للحمض النووي، إلا أن المدعى عليه لم يمتثل للأوامر عدة مرات، ولم يوفر القانون الكرواتي آنذاك وسيلة فعالة لإجباره على الخضوع للفحص أو حسم المسألة في مواجهة امتناعه. رأت المحكمة الأوروبية أن طول أمد الإجراءات وعدم وجود وسيلة فعالة للتعامل مع امتناع المدعى عليه ترك الطفلة في حالة من عدم اليقين بشأن هويتها وأصلها البيولوجي، وأن ذلك مسَّ حقها في احترام حياتها الخاصة بموجب المادة 8 من الاتفاقية، وقضت بوقوع انتهاك للمادة 8 والتي تنص على أن لكل إنسان الحق في احترام حياته الخاصة والعائلية، ومسكنه ومراسلاته. وأنه لا يجوز للسلطات العامة التدخل في ممارسة هذا الحق إلا إذا كان هذا التدخل منصوصاً عليه في القانون، ويشكل تدبيراً ضرورياً في مجتمع ديمقراطي لصالح الأمن القومي، أو السلامة العامة، أو الرفاه الاقتصادي للبلاد، أو منع الفوضى أو الجريمة، أو حماية الصحة أو الآداب العامة، أو حماية حقوق الآخرين وحرياتهم.

وفي قضية Jäggi v. Switzerland، حكم 13 يوليو 2006م، الطلب رقم 58757/00، وتعلقت القضية برجل سويسري بالغ، Jäggi، كان يريد معرفة ما إذا كان رجل متوفى هو والده البيولوجي. وقد رفضت السلطات السويسرية السماح بأخذ عينة DNA من جثمان الرجل المتوفى، رغم وجود مصلحة شخصية قوية للمدعي في حسم مسألة أصله البيولوجي. رأت المحكمة الأوروبية أن معرفة الأصل البيولوجي تدخل في صميم الحياة الخاصة والهوية الشخصية المحمية بالمادة 8 من الاتفاقية الأوروبية، وأن مصلحة المدعي في الحصول على إجابة بشأن هويته البيولوجية كانت ذات وزن كبير. ومع ذلك، لم تعتبر المحكمة أن الحق في معرفة الأصل حق مطلق، وإنما وازنت بين مصلحة المدعي وبين مصالح أخرى، منها احترام الجثمان وحقوق الأشخاص الآخرين والمصلحة العامة في استقرار المراكز القانونية. وانتهت، في ظروف القضية، إلى أن السلطات السويسرية لم تحقق توازناً عادلاً بين المصالح المتعارضة، وقضت بوجود انتهاك للمادة 8 من الاتفاقية.

والفارق المهم بين السابقتين أن Mikulić تتعلق بطفلة تسعى إلى إثبات أبوّتها في مواجهة امتناع الأب المزعوم عن الفحص، بينما تتعلق Jäggi بشخص بالغ يسعى إلى معرفة أصله البيولوجي بعد وفاة الرجل الذي يعتقد أنه والده. وفي كلتيهما لم تتعامل المحكمة مع الـ DNA باعتباره مجرد وسيلة إثبات للنسب، بل باعتباره وسيلة قد تتصل مباشرةً بالهوية الشخصية والحق في معرفة الأصل البيولوجي، مع إخضاع هذا الحق للموازنة مع المصالح والحقوق القانونية المتعارضة.

أما في مجال الهوية، فقد أصبح الـ DNA من الوسائل المهمة للتعرف على الموتى والمفقودين وضحايا الكوارث الجماعية والحروب، من خلال المقارنة بين العينات المجهولة والعينات المرجعية للأقارب. كما تطورت في بعض الأنظمة تطبيقات البحث العائلي الجيني (Familial DNA Searching)، التي تتجاوز البحث عن التطابق المباشر إلى الاستدلال من العلاقة الجينية المحتملة مع أحد أقارب الشخص المجهول.

وفي السياق، البحث العائلي الجيني (Familial DNA Searching) هو تقنية تحليلية تُستخدم في قواعد بيانات الـ DNA للبحث عن تطابق جيني جزئي أو نمط وراثي متقارب بين العينة المجهولة وعينات أشخاص آخرين، بما قد يشير إلى وجود صلة قرابة بيولوجية محتملة، ثم الاستدلال من هذه الصلة على هوية صاحب العينة المجهولة أو تضييق دائرة البحث عنه. ومن الناحية الإثباتية والقانونية، لا يُعد البحث العائلي الجيني إثباتاً مباشراً لهوية الشخص، وإنما يمثل قرينة استدلالية أو أداة لتوليد خيوط التحقيق، تحتاج إلى التحقق منها بأدلة إضافية، ولا سيما الفحص الجيني المباشر، مع مراعاة ضوابط استخدام قواعد البيانات الجينية وحماية الخصوصية والبيانات الوراثية.

ولم تقف التطبيقات القضائية الأوروبية عند بحث القيمة الإثباتية للبصمة الوراثية (DNA)، وإنما امتدت إلى مسألة أكثر دقة تتعلق بحدود سلطة الدولة في جمع البيانات الوراثية والاحتفاظ بها واستخدامها، وما يترتب على ذلك من آثار في الحق في الخصوصية وحماية البيانات الشخصية.

ومن أبرز السوابق في هذا المجال حكم المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في قضية S. and Marper v. United Kingdom الصادر في 4 ديسمبر 2008م، والذي عالج مشروعية احتفاظ السلطات ببيانات وبصمات DNA لأشخاص لم تثبت إدانتهم. وتتلخص وقائع القضية في أن المدعيين كانا قد أوقفا في المملكة المتحدة في قضيتين منفصلتين، وأُخذت منهما أثناء الإجراءات الجنائية بصمات الأصابع وعينات من الـ DNA وملفات جينية، إلا أن الإجراءات انتهت دون إدانتهما. ومع ذلك، استمرت السلطات البريطانية في الاحتفاظ بهذه البيانات بصورة دائمة تقريباً، وفق النظام المعمول به آنذاك، بما في ذلك البيانات الخاصة بأشخاص لم تثبت إدانتهم. وقد نظرت المحكمة الأوروبية في مدى توافق هذا الاحتفاظ الواسع وغير المحدد المدة مع الحق في احترام الحياة الخاصة المكفول بموجب المادة 8 من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان.

وقضت المحكمة الأوروبية بأن الاحتفاظ غير المحدود بهذه البيانات، ولا سيما الملفات الجينية وبصمات الأصابع الخاصة بأشخاص لم تثبت إدانتهم، يمثل تدخلاً في حقهم في احترام حياتهم الخاصة. وأكدت أن البيانات الجينية تتمتع بطبيعة شديدة الحساسية، نظراً لقدرتها على كشف معلومات شخصية وبيولوجية وعائلية واسعة، وأن مجرد إمكان استخدامها في مكافحة الجريمة لا يبرر الاحتفاظ بها بصورة شاملة وغير محددة المدة. وانتهت المحكمة إلى أن النظام البريطاني لم يحقق توازناً عادلاً بين المصلحة العامة في مكافحة الجريمة وحق الأفراد في احترام حياتهم الخاصة، ومن ثم قضت بوقوع انتهاك للمادة 8 من الاتفاقية الأوروبية.

وتكمن أهمية هذه السابقة في أنها أرست مبدأً مهماً، مفاده، أن مشروعية جمع البيانات الجينية لا تعني تلقائياً مشروعية الاحتفاظ بها أو استخدامها إلى أجل غير محدد؛ فلكل مرحلة من مراحل التعامل مع البيانات الوراثية ضوابطها القانونية الخاصة، ويتعين أن يكون الاحتفاظ بها واستخدامها مبرراً ومتناسباً مع الغرض المشروع الذي جُمعت من أجله.

وتطور هذا الاتجاه لاحقاً في قضية Gaughran v. United Kingdom، التي صدر فيها حكم المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في 13 فبراير 2020م، بما أكد استمرار الرقابة القضائية على طريقة تعامل الدولة مع البيانات البيومترية والجينية حتى في الحالات التي يكون فيها الشخص قد أُدين بارتكاب جريمة. فقد كان المدعي، Gaughran، قد أُدين في أيرلندا الشمالية بجريمة قيادة مركبة وهو في حالة سُكر، واحتفظت السلطات بعد إدانته ببصمات أصابعه وصورته وملفه الجيني (DNA profile) بصورة غير محددة المدة. وطعن المدعي في استمرار الاحتفاظ بهذه البيانات، محتجاً بانتهاك حقه في الحياة الخاصة.

وأقرت المحكمة بأن جمع البيانات والاحتفاظ بها لأغراض منع الجريمة ومكافحتها يمكن أن يخدم مصلحة عامة مشروعة، إلا أنها شددت على أن الاحتفاظ غير المحدد المدة بالبيانات البيومترية والجينية يجب أن يخضع لضوابط وضمانات تتناسب مع طبيعة الجريمة ووضع الشخص والمدة التي انقضت والظروف ذات الصلة. ورأت المحكمة الأوروبية أن النظام المطبق في أيرلندا الشمالية لم يوفر ضمانات كافية تحد من مدة الاحتفاظ بهذه البيانات أو تتيح مراجعة مناسبة لضرورة استمرار الاحتفاظ بها، ولذلك خلصت إلى وقوع انتهاك للمادة 8 من الاتفاقية.

وتكشف هاتان السابقتان، في سياقهما المتدرج، عن مبدأ بالغ الأهمية في الاستخدام القضائي المعاصر للـ DNA، مؤداه، أن القوة العلمية للبيانات الجينية لا تمنح الدولة، بذاتها، سلطة غير محدودة في جمعها أو الاحتفاظ بها أو استخدامها؛ فحتى عندما يكون الغرض مشروعاً، يظل التعامل مع هذه البيانات خاضعاً لمبادئ الضرورة والتناسب وتحديد الغرض والمدة والضمانات القانونية وحماية الخصوصية. ومن ثم، فإن مشروعية الدليل العلمي في عصر البيانات الجينية لا تتوقف عند سلامة إنتاجه وقيمته الإثباتية، وإنما تمتد إلى دورة حياته الكاملة، من جمع العينة وحيازتها وتحليلها إلى تخزين بياناتها وإتاحة استخدامها والرقابة على تداولها.

(ثالثاً) واقعة ليديا فيرتشايلد: حين تعارضت البصمة الوراثية مع الحقيقة البيولوجية:

——————————-

من أكثر الوقائع دلالة في هذا السياق قضية ليديا فيرتشايلد (Lydia Fairchild) في الولايات المتحدة الأمريكية، وهي واقعة تكشف بصورة استثنائية حدود الاعتماد على عينة جينية واحدة في بناء الاستنتاج القضائي، وتوضح أن الدقة العلمية لتحليل الـ DNA لا تعني بالضرورة أن العينة المفحوصة تمثل كامل الحقيقة البيولوجية للشخص محل الإثبات.

وقد بدأت الواقعة عندما تقدمت ليديا فيرتشايلد، وهي أم لطفلين وحامل بطفل ثالث، بطلب للحصول على إعانة اجتماعية بعد انفصالها عن زوجها. وفي إطار الإجراءات المطلوبة لإثبات نسب الأطفال، طُلب إجراء فحص للحمض النووي. جاءت النتيجة على نحو صادم؛ إذ أظهرت الفحوص أن الطفلين لا يرتبطان بها وراثياً. ولم يُكتفَ بفحص واحد، بل أُعيد التحليل وأُجري في مختبرات مختلفة، وظلت النتائج متسقة: الأطفال لا يحملون البصمة الوراثية التي ظهرت في عينات دم الأم.

أثارت هذه النتيجة شبهة قانونية خطيرة؛ إذ بدا أن المرأة التي تؤكد أنها أم الأطفال ليست أمهم من الناحية الجينية. وظهرت احتمالات متعددة، من بينها احتمال استبدال الأطفال أو التبني السري أو محاولة الحصول على أموال الدولة بغير حق. وأصبحت المشكلة أكثر تعقيداً عندما أظهرت الفحوص أن الزوج هو الأب البيولوجي للأطفال، الأمر الذي جعل السؤال أكثر حدة: إذا كان الأب هو الأب البيولوجي، فمن هي الأم؟

ومع استمرار الحمل للطفل الثالث، اتخذت المحكمة إجراءً استثنائياً للتحقق من الواقعة بصورة مباشرة؛ فأُرسل مراقب رسمي من المحكمة إلى غرفة الولادة، وشهد عملية الولادة للطفل الثالث منذ بدايتها حتى خروج الطفل، ثم أُخذت العينة وأُرسلت إلى المختبر، في محاولة لإغلاق أي احتمال للتبديل أو التلاعب. ومع ذلك، جاءت النتيجة مرة أخرى بما بدا أنه تأكيد للاستبعاد الجيني؛ فالطفل الذي وُلد أمام المراقب لم يحمل البصمة الوراثية التي كانت تظهر في دم ليديا، والدة الطفل.

وهنا انتقلت القضية من مجرد نزاع حول نتيجة مختبر إلى معضلة علمية وقضائية: كيف يمكن لامرأة أن تحمل الطفل تسعة أشهر وتضعه أمام شهود، ثم تظهر الفحوص الجينية أنها ليست أمه؟ ولم يكن الحل في افتراض خطأ المختبر أو عدم صدق المرأة، وإنما في البحث عن تفسير بيولوجي استثنائي يفسر التناقض بين الحقيقة الواقعية والنتيجة الجينية المستخلصة من العينة المفحوصة.

وقاد البحث في الأدبيات الطبية إلى ظاهرة نادرة تعرف باسم الكيميرية البشرية (Human Chimerism). وبناءً على ذلك، لم يقتصر الفحص على الدم، وإنما شمل أنسجة مختلفة من جسد ليديا، منها الجلد والشعر والدم والخلايا المخاطية وأنسجة الجهاز التناسلي. وكشفت النتائج أن جسدها لم يحمل بصمة وراثية واحدة، وإنما مجموعتين مختلفتين من الحمض النووي.

وتفسير ذلك، أن ليديا كانت في الأصل ناتجة عن اندماج جنينين توأمين في مرحلة مبكرة من التكوين، فبقيت خلايا ذات تركيب جيني مختلف داخل جسد واحد. والأكثر أهمية من الناحية الإثباتية أن توزيع الخليتين الوراثيتين لم يكن واحداً في جميع أنسجة الجسم؛ فقد ظهر نمط جيني في الدم، بينما ظهر النمط الآخر في أنسجة الجهاز التناسلي. وعندما فُحصت الأنسجة التناسلية ظهر التطابق الجيني مع أبنائها، فانكشف بذلك سبب التناقض الذي عجزت عنه الفحوص الأولية.

وتكمن أهمية هذه الواقعة، بالنسبة إلى علم الإثبات المعاصر، في أنها لا تطعن في علم الوراثة ولا في موثوقية تقنية الـ DNA في ذاتها؛ فالنتائج التي ظهرت في عينات الدم كانت صحيحة بالنسبة إلى تلك العينات. وإنما كشفت أن صحة التحليل لا تعني بالضرورة اكتمال الحقيقة التي يراد إثباتها. فالمشكلة لم تكن في أن المختبر قال شيئاً غير صحيح، وإنما في أن الاستنتاج القضائي كان معرضاً لأن يُبنى على عينة صحيحة، ولكنها غير ممثلة للصفة البيولوجية محل البحث.

ومن هنا يمكن صياغة القاعدة المنهجية التي تكشفها الواقعة على النحو الآتي: (الـ DNA لا يكذب، ولكن العينة قد لا تمثل كامل الحقيقة البيولوجية). وهذه العبارة لا تنتقص من قيمة الدليل الجيني، وإنما تؤكد ضرورة فهم حدوده وشروط إنتاجه وتفسيره. فالمسألة لا تقتصر على السؤال: هل نتيجة الفحص صحيحة؟ وإنما تمتد إلى أسئلة أخرى لا تقل أهمية: ما العينة التي فُحصت؟ ومن أي موضع أُخذت؟ وهل تمثل الشخص أو الصفة البيولوجية محل الإثبات؟ وهل توجد ظروف بيولوجية استثنائية يمكن أن تؤثر في تفسيرها؟

وهذا هو الدرس الأعمق في واقعة الكيميرية (Human Chimerism)؛ فالدليل العلمي لا يُقيَّم بالنتيجة المجردة، وإنما بسلسلة إنتاجه وتفسيره وحدود دلالته. فالنتيجة الجينية لا ينبغي أن تُفصل عن مصدر العينة، وطريقة أخذها وحفظها، والمنهج التحليلي المستخدم، والقوة الإحصائية للنتيجة، والفرضية التي يراد اختبارها، وسائر الأدلة المحيطة بها. وهذا ينسجم مع الفكرة التي يقوم عليها علم الإثبات المعاصر: الانتقال من مجرد قبول (وسيلة علمية) إلى دراسة كيف أُنتجت المعرفة الإثباتية؟، وما مدى صلاحيتها؟، وما الذي تثبته فعلاً؟، وما الذي لا تستطيع إثباته؟.

وقد لخّصت هذه الواقعة هذا الدرس بوضوح؛ فهي لا تثبت خطأ العلم، وإنما تكشف أن الأدلة العلمية، مهما بلغت دقتها، تحتاج إلى عقل نقدي يفهم حدودها واستثناءاتها. فالقيمة الإثباتية لا تتحدد فقط بدرجة دقة الأداة العلمية، وإنما كذلك بمدى ملاءمة العينة للسؤال المطروح، وصحة الانتقال من النتيجة العلمية إلى الاستنتاج الذي يراد بناؤه عليها.

وعلى هذا الأساس، لا ينبغي استحضار واقعة ليديا فيرتشايلد لمجرد غرابتها الطبية، وإنما باعتبارها نموذجاً اختبارياً لنظرية الدليل العلمي؛ فهي تضع أمام القضاء ثلاث طبقات مترابطة يجب عدم الخلط بينها: الحقيقة الجينية للعينة ← التفسير العلمي للنتيجة ← الاستنتاج القضائي. وقد تكون الطبقة الأولى صحيحة، بينما يقع الخلل في الانتقال من العينة إلى التفسير، أو من التفسير إلى الاستنتاج القضائي.

ومن هنا تكتسب المقارنة بين التجربة الإماراتية، والنموذج المصري الذي انتهى بحكم قضائي في واقعة اغتصاب، وواقعة ليديا فيرتشايلد،

زر الذهاب إلى الأعلى