مقالات الرأي

أوراق  نازك الشوش  تكتب ( قصة أحمد)

 

ليس من السهل أن تكتب عن إنسانٍ أصيل يستحق الكتابة دون أن تقع في فخ (المبالغة) فبعض الناس أكبر من أن تختصرهم في قائمة من الصفات، وأعمق من أن تصفهم بكلمات محفوظة عن الطيبة والكرم والشهامة والأريحية والتلقائية والبساطة…

لكن حين يكون الحديث عن شخصية (زول ) بشوش إسمه “أحمد بدوي الشوش ” فإن الأمر مختلف.

هو ليس من الناس الذين يتعمدون رسم صورة جميلة لذواتهم أمام الناس؛ هو ببساطة يعيش كما هو، وتتكفل الأيام والمواقف الطيبة بكشف ما في داخله.

في زمنٍ أصبح فيه الكرم أحيانًا مرتبطًا بمناسبة ما.. أما هذه الشخصية فهي مختلفة تماما يتميز بطقس ممطر دائم طول العام .يهطل مدرارا سخيا بلا حدود ..بلا توقف… الكرم عنده ليس مناسبةً تنتهي بانتهاء الضيوف، ولا بابًا يُفتح حين يكون في الأمر مصلحة. بيته مفتوح لمن يحتاجه ، ومائدته عامره بالموجود.وبشاشته باتساع بوابة داره الكريمة المضيافة ..ووقته مبذول.. ،فكم من أبوابٍ تُفتح للناس حين يكون أصحابها في مزاج جيد، ثم تُغلق حين تأتي الحاجة في وقتٍ غير مناسب ،..جمعت روايات وقصصا حدثنا عنها من كانوا معه في الشرق العربي حيث بلاد السعيدة وأرض اليمن ومن أقاموا معه في الغرب الامريكي اجمعوا جميعا ان داره ليس منزل بالمعنى الذي نعرفه إنها أقرب إلى مساحة مفتوحة للناس يدخل الضيف إلى بيته فلا يحس أنه قدم في وقتٍ غير مناسب ، الضيوف الذين يقصدون منزله يجدون بشاشة قبل أن يجدوا مكان جلوسهم ! يأتي المحتاج فلا يشعر أنه جاء طالباً فضلاً بل إنه جاء إلى أهله ، نعم الأمر اشبه بذلك تماماً .

في قاموسه تنعدم مفردات الملّل من الناس، والضجر من كثرة القادمين،

(أبا عبير) لا يجعل العطاء عبئًا على من يأخذ. يعطي فالعطاء عنده من أخلاقه، لا يبحث عن صناعة صورةٍ عند الناس..فقط يبحث عن ذاته..انه هنا يرتاح ويسمو.. الذين عرفوه في مراتع القرية أو صفوف الدراسة أو في المهاجر البعيدة لا يتحدثون عن معاني بتفق الناس حولها أو يتفقوا .. سيحدثونك عن مواقف عن باب يفُتح في وقتٍ أغلاق الأبواب عن يدٍ امتدت في وقتٍ تأخرت فيه أيادي كثيرة، عن كلمةٍ جاءت في وقتها، أو عن معروفٍ فعله ثم مضى وكأنه لم يفعل شيئًا ،

ويبقى السؤال ماذا يترك أحمد بدوي في الإنسان بعد أن يغادر مجلسه ؟الإجابة بسهولة ، ربما يترك امتنانًا.

وربما يترك ذكرى أو موقف.

وربما يترك ذلك الشعور البسيط الذي لا نستطيع وصفه بدقة، لكننا نعرفه حين نشعر به: شعور أن هناك إنسانًا يحمل صفة الإنسانية التي اضحت نادره…تري امامك الشهامة لا زالت ممكنة، و البيوت تبقى مفتوحة، و القلوب رغم متاعب الحياة تنبض بالعطاء ، إنه رجل ما إن تتأمل شخصيته تجد نفسك امام إنسان يمنحك بشخصيته اليوم متعة النظر في شخصيات عظيمة قادمة من التاريخ..

أحمد بدوي الشوش قادم من المجلدات القديمة وقصص الفرسان وأكارم القوم وعظماء الدهر. أحمد بدوي الشوش ليس مجرد رجلٍ يجتمع حوله الناس؛ هو واحد من أولئك الذين يذكّروننا، دون خطبٍ أو ادعاء، بأن الخير لا يزال له مكان، وأن الإنسانية لم تختفِ تمامًا، وأن الإنسان يستطيع أن يكون مأمنًا لإنسان آخر في زمنٍ كثرت فيه المخاوف وتقلّصت فيه مساحات الأمان.

وربما لهذا، حين يغادر الناس مجلسه، لا يأخذون معهم ذكرى مجلسٍ عابر فحسب، بل يأخذ كل واحد منهم شيئًا من ذلك الدفء الذي وجده هناك.

،وربما كانت أجمل شهادة يمكن أن ينالها رجل أن يُقال عنه، ببساطة ودون مبالغة:

«لو احتجناه، وجدناه».

حاشية أخيرة… هذه الحرب هي التي جعلتني أكتب عن زول إسمه أحمد عندما قالت الحرب فعلها الشنيع التفت الناس ووجدوه معهم رغم ان الجغرافية تقول انه غرب (الأطلسي)…

زر الذهاب إلى الأعلى