موطئ قلم د. أسامة محمد عبدالرحيم .. يكتب ،، إثيوبيا وحرب المسيّرات… من إسناد التمرد إلى تصدير الحرب

مائة واثنتان وستون هجمة بطائرات مسيّرة، ومئات القتلى، ومدن سودانية تتعرض للقصف من طائرات تقول الحكومة إن قواعد انطلاقها تقع داخل الأراضي الإثيوبية. هذه الحصيلة التي عرضتها المؤسسات العسكرية والأمنية والدبلوماسية السودانية، في مؤتمر صحفي مشترك عقد بالخرطوم في الثامن والعشرين من أكتوبر، تفتح فصلاً بالغ الخطورة في العلاقات بين البلدين، وتطرح سؤالاً يتصل بطبيعة الدور الذي تؤديه الجغرافيا الإثيوبية في الحرب السودانية، وما إذا كانت البلاد تواجه تحولاً من إسناد التمرد إلى توفير عمق عملياتي خارجي يهدد أمنها القومي ويزيد احتمالات اتساع الصراع إقليمياً.
اكتسب المؤتمر أهميته من مستوى التمثيل المؤسسي الذي جمع الدفاع والخارجية والإعلام وجهاز المخابرات العامة، وطبيعة الأدلة المعروضة التي شملت إحداثيات انطلاق المسيّرات ومسارات طيرانها وصور الأقمار الصناعية وحطام الطائرات التي أسقطتها الدفاعات السودانية. ويشير هذا الحضور المشترك إلى توجه الدولة نحو بناء موقف رسمي متكامل، تتقاطع فيه المعلومات العسكرية والاستخبارية مع الأدوات الدبلوماسية والقانونية، بما ينقل القضية من دائرة الاتهامات السياسية إلى مستوى التوثيق والمساءلة الدولية.
وبحسب المعلومات التي قدمها الجيش السوداني، فقد نُفذت 162 هجمة بطائرات مسيّرة انطلقت من مواقع داخل إثيوبيا، واستهدفت مدناً ومناطق متعددة، بينها الدمازين وسنجة وكوستي وربك والكرمك والأبيض وبارا وأم روابة، وأسفرت عن مقتل أكثر من أربعمائة مدني ومائة واثنين من العسكريين، إلى جانب تدمير عشرات المدارس والمستشفيات والمراكز الصحية ومحطات الوقود ومنشآت الكهرباء. وتعكس هذه الأرقام، وفق البيانات الرسمية، نمطاً متكرراً من الهجمات يستنزف البنية المدنية والاقتصادية، ويضعف قدرة الدولة على استعادة الاستقرار في المناطق التي انحسرت عنها العمليات البرية.
وتبرز خطورة المعطيات المعروضة في تحديد مواقع انطلاق داخل الأراضي الإثيوبية، من بينها أصوصا وبحر دار ومناطق قريبة من الحدود السودانية. وهنا يبرز سؤال جوهري يتعلق بطبيعة الدور الإثيوبي: هل تعكس هذه العمليات قراراً سياسياً مركزياً، أم تسهيلات تقدمها جهات داخل مؤسسات الدولة، أم نشاطاً عسكرياً يجري بعلم السلطات أو دون علمها؟ وتترتب على الإجابة مستويات مختلفة من المسؤولية، تبدأ باستخدام الأراضي الإثيوبية منصة للعمليات، وتمتد إلى السماح بها أو تقديم الإسناد لها، وصولاً إلى المشاركة المباشرة في التخطيط والتشغيل. وتزداد حساسية القضية إذا ثبت استخدام مطارات ومنشآت عسكرية خاضعة لسيطرة الدولة، بما يستدعي تفسيراً رسمياً لطبيعة الأنشطة والجهات التي تولت إدارتها.
أما التنوع التقني للمسيّرات التي استعرضها المؤتمر، ومن بينها الطائرات الانقضاضية المعدلة والطرازات بعيدة المدى من نوع CH-95 الصينية وبيرقدار أكينجي وTB2 التركيتين، فيكشف عن طبيعة التحدي المركب الذي تواجهه منظومة الدفاع الجوي السودانية. فتشغيل هذه القدرات بصورة متكررة يتطلب تجهيزات فنية وبنية إسناد وصيانة واتصالات ومعلومات استخبارية، ويثير تساؤلات حول مصادر التسليح ومسارات الإمداد والجهات التي توفر الخبرات التشغيلية. كما أن تعدد مسارات الطيران، بما فيها المسارات المحاذية لجنوب السودان، يعكس تعقيد البيئة العملياتية واتساع نطاق المخاطر العابرة للحدود، مع ضرورة التمييز بين بلد تصنيع الطائرة والجهة المسؤولة عن امتلاكها وتشغيلها.
ويستدعي هذا المشهد البحث في الدوافع التي قد تقف وراء السماح باستخدام الأراضي الإثيوبية في هذه العمليات. فالعلاقات بين الخرطوم وأديس أبابا تحمل إرثاً من التوترات المرتبطة بالفشقة وسد النهضة والتنافس على المصالح الأمنية في المناطق الحدودية. وقد تجد بعض الدوائر الإقليمية في إضعاف الدولة السودانية وسيلة لإعادة تشكيل موازين القوة في القرن الأفريقي، وتحسين مواقعها التفاوضية في الملفات الحدودية والمائية، وإعادة توزيع النفوذ في الإقليم. وتظل هذه الاحتمالات فرضيات تحليلية تحتاج إلى أدلة مستقلة، لكنها تفرض قراءة ما يجري ضمن شبكة أوسع من المصالح والتحالفات، خاصة أن استمرار الحرب السودانية أتاح لقوى متعددة فرصاً للتأثير في مستقبل البلاد ومحيطها الإقليمي.
وتتضاعف خطورة هذا المسار بالنظر إلى طبيعة الأهداف المستهدفة. فمحطات الكهرباء والمستشفيات والمدارس ومرافق الوقود تشكل مقومات الحياة المدنية، واستهدافها المتكرر يعرقل عودة النازحين، ويعطل النشاط الاقتصادي، ويستنزف موارد الدولة المخصصة لإعادة الإعمار. وتحمل هذه الهجمات آثاراً بعيدة المدى، لأنها تضرب قدرة المجتمع على التعافي وتطيل أمد المعاناة الإنسانية. كما أن تعمد استهداف الأعيان المدنية المحمية، متى ثبت، يشكل انتهاكاً جسيماً لقواعد القانون الدولي الإنساني، ويستوجب التحقيق والمساءلة عن المسؤوليات الفردية والمؤسسية المرتبطة به.
وتكتسب هذه المعطيات دلالة أكثر خطورة مع الأنباء الواردة عن استهداف محطة أم دباكر الحرارية بولاية النيل الأبيض، في الساعات الأولى من صباح التاسع والعشرين من أكتوبر، بعد أقل من أربع وعشرين ساعة على المؤتمر الصحفي. فالمحطة تمثل إحدى الركائز الأساسية لتوليد الكهرباء في السودان، واستهدافها يعكس استمرار المخاطر التي تواجه البنية التحتية للطاقة. وإذا تأكد انطلاق المسيّرات المنفذة للهجوم من الأراضي الإثيوبية، فإن ذلك سيضع الدولة أمام تحدٍ يتجاوز توثيق الاعتداءات إلى اختبار فاعلية منظومة الردع والحماية، ومدى قدرتها على منع تكرار الهجمات وتأمين المرافق الحيوية. كما يبرز أهمية إعداد خطط طوارئ تضمن سرعة إصلاح الأضرار واستعادة الإمداد الكهربائي، وتخفيف آثار الانقطاع على المواطنين والقطاعات الإنتاجية، باعتبار أن صمود الجبهة الداخلية يمثل ركناً أساسياً في مواجهة حرب الاستنزاف.
ويضع هذا الواقع السودان أمام ضرورة إعادة تقييم منظومة أمنه القومي على امتداد حدوده الشرقية. فالحرب التي بدأت داخل البلاد باتت، وفق المعطيات الحكومية، تواجه احتمال امتلاك التمرد عمقاً عملياتياً خارج الحدود، بما يفرض تطوير قدرات الإنذار المبكر والرصد والاعتراض، وتعزيز حماية المنشآت الاستراتيجية. ويقتضي الردع الفاعل بناء قدرة متكاملة على منع تكرار الاعتداءات ورفع كلفتها السياسية والقانونية، وتوظيف العلاقات الإقليمية لتضييق مساحات الإسناد الخارجي للتمرد. ويتطلب ذلك إدارة سياسية وعسكرية منضبطة تحافظ على حق السودان في حماية سيادته، وتمنع الانزلاق إلى مواجهة إقليمية مفتوحة تضاعف أعباء الحرب.
وعلى المستوى الدبلوماسي، تبرز ضرورة تحويل الأدلة المعروضة إلى ملف قانوني وفني متكامل، يستند إلى البيانات الأصلية لمسارات الطيران وتحليل حطام المسيّرات وصور الأقمار الصناعية وتوثيق الخسائر المدنية، مع ضمان سلامة الأدلة وإمكانية التحقق المستقل منها. وينبغي تقديم هذا الملف إلى المؤسسات المختصة في الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي وإيغاد، ومطالبة الحكومة الإثيوبية بتوضيحات رسمية وإجراءات قابلة للتحقق تمنع استخدام أراضيها في أعمال عدائية ضد السودان. فالمعركة الدبلوماسية تتطلب تحويل المعلومات إلى حجج قانونية، والحجج إلى مواقف دولية مؤثرة، والمواقف إلى تدابير تسهم في وقف الاعتداءات.
إن أخطر ما كشفه المؤتمر الصحفي يتمثل في احتمال انتقال الحرب السودانية نحو مرحلة تصبح فيها أراضي دول الجوار جزءاً من بنيتها العملياتية، بما يحمله ذلك من تداعيات على توازنات الأمن والاستقرار في القرن الأفريقي. وأمام هذا التحول، يجد السودان نفسه مطالباً بإعادة تقييم علاقاته الإقليمية وقدراته الدفاعية وأدواته الدبلوماسية، ضمن استراتيجية متكاملة تعزز الردع وتحمي السيادة وتمنع اتساع المواجهة. فالتحدي الذي يواجه الدولة السودانية اليوم يمتد من تأمين حدودها الجغرافية إلى حماية عمقها الاستراتيجي، ومنع تحويل الجغرافيا المحيطة بها إلى امتداد لساحات الحرب داخل أراضيها.
الخميس، 29 أكتوبر 2026م


