مقالات الرأي

بانوراما الهوية السودانية ( اليهود بقاء الجوهر وحركية الفعل استعمار واستحمار) بقلم : كابتن : محمد حسن الطاهر 

 

التاريخ : اكتوبر . 2026. 30

 

يقول الفلاسفة ان طبيعة ( الانسان ) دائماً واحدة وهم فى نفس الظروف سيفعلون نفس الاشياء فبينما يصنف البعض طبائع البشر حسب سلسلة المعادن الطبيعية ابتداءا من الذهب حتى الحديد نجد ان الجاحظ فى كتاب الحيوان يقر ان طبائعهم تشبه طباع الحيوانات فمنهم تعلم الانسان منذ ابنى ادم ..

ولعل ذلك ما اكده جورج اورويل فى كتابه مزرعة الحيوان الذى صنف فيه الخنازير بانهم يتميزون بالانانية ونقض السرديات ..

هذه السرديات تجعل كل محلل او قارئ عادى يتساءل عن المشترك البشرى وهنا استحضر كتاب ناجى علوش ( المفكر الفلسطينى الماركسي) الماركسية والمسألة اليهودية

حيث تناول الكتاب العلاقة بين *اليهودية والماركسية*

وفكرته المركزية تقوم على الفصل الحاسم بين عدة مستويات، وهو يرد فيها على طرحين سائدين:

– طرح صهيوني يقول الماركسية معادية لليهود لأن مؤسسها يهودي،

– وطرح يميني عربي يقول الماركسية مؤامرة يهودية.

علوش يقول

– اليهودية دين سماوي مثل المسيحية والإسلام، عمره آلاف السنين، له طوائف وتفسيرات مختلفة.

– والصهيونية في نظره حركة سياسية استعمارية ظهرت في أواخر القرن 19 في أوروبا، استخدمت الدين اليهودي كغطاء أيديولوجي لتبرير الاستيطان في فلسطين.

والدليل عنده أن أوائل قادة الصهيونية كانوا علمانيين وملحدين تماما مثل هرتزل ونوردو وبن غوريون، ولا علاقة لهم بالتدين.

 

اما عن علاقة ماركس والمسألة اليهودية*

يستند علوش إلى كتاب ماركس المبكر “حول المسألة اليهودية” 1844.

ماركس كان يهودي الأصل لكنه ملحد، ونقد اليهودية ليس كدين، بل نقد وضع اليهود في المجتمع الرأسمالي الأوروبي.

علوش يشرح فكرة ماركس بأن التحرر السياسي للدولة (إعطاء اليهود حقوق المواطنة) لا يكفي فهو يرى :

– ان التحرر الحقيقي هو التحرر الاجتماعي والاقتصادي من الاستغلال الرأسمالي، سواء لليهودي أو المسيحي.

ان مقولة ماركس الشهيرة “تحرر اليهود في معناه الأخير هو تحرر البشرية من اليهودية” لا يقصد بها الدين، بل يقصد بها “الروح اليهودية” بمعنى روح التجارة والمال والمنفعة التي عممها النظام الرأسمالي على المجتمع كله. وهي فكرة طبقها أيضا على المسيحية.

لماذا يقول البعض أن الماركسية يهودية؟*

 

علوش يرد على نظرية المؤامرة التي تقول “الشيوعية تنظيم بقيادة يهودية لتدمير الأمم” –

وهي منتشرة في أدبيات مثل بروتوكولات حكماء صهيون.

يقول: صحيح أن عدداً من مؤسسي الحركات الاشتراكية في أوروبا كانوا من أصول يهودية (ماركس، تروتسكي، روزا لوكسمبورغ)

لكن السبب اجتماعي وليس دينيا :

اليهود في أوروبا كانوا أقلية مضطهدة وممنوعة من امتلاك الأرض، فاتجهوا للمهن الحرة والفكر النقدي

– اضطهادهم جعلهم أكثر ميلا للأفكار الثورية المناهضة للتمييز

لكن الماركسية كمنهج هي نقيض للعنصرية اليهودية التي تقوم على شعب مختار، لأنها تقوم على الأممية:

– يا عمال العالم اتحدوا.

 

اما الموقف من إسرائيل*

بالنسبة لعلوش، يقول ان الماركسية الحقيقية لا يمكن أن تكون صهيونية لأن:

– الماركسية ضد الاستعمار والاستيطان بينما

– الصهيونية مشروع استعماري يخدم الرأسمالية والإمبريالية

لذلك تأسيس أول حزب شيوعي في فلسطين عام 1919 على يد يهود روس – كان حزبا صهيونيا في الواقع، ولم يمثل مصالح العمال العرب واليهود معا.

من هنا يمكن اجمال أفكار ناجي علوش فى الاتى:

– اليهودية دين، والماركسية منهج مادي لتحليل التاريخ، ولا يوجد تعارض ديني بينهما بل تعارض منهجي.

– الصهيونية استغلت اليهودية، ولم تمثلها.

– محاولة ربط الماركسية باليهودية كـ “مؤامرة يهودية عالمية” هي تبسيط يخدم الصهيونية نفسها، لأنه يخفي الطبيعة الطبقية والاستعمارية للمشروع الصهيوني ويحول الصراع من صراع سياسي استعماري إلى صراع ديني.

من هنا اود أن أقول مهما كانت العلاقة بين اليهودية الماركسية فقد تجسدت نتائجها فى مشاريع الاستيطان وحرمان أهل الأرض من الاوطان وتفرق الحبان ايد سبأ وضاعت الهوية الجامعة التى تحقق وحدة الشعوب وحقهم فى الأرض ..

اليوم ونحن نتفائل بحوار سودانى لحل ازمة السودان ( على نفسها جنت براقش واخلاهم من الهم اخلاهم من الفطن) كلنا هم فى حفظ هوية السودان من خلال حركية الفعل وبقاء الجوهر

اود ان اشير الى بعض النقاط الهامة مبتدرا للسؤال التالى

– ما هي الهوية؟

– هل الهوية بطاقة نحملها، أم روح تحملنا؟

الهوية ليست ورقة بل هى حركية الأفكار داخل الإنسان التى تجعله يعرف انه ينتمى إليها هي التي تقول له من أنت حين ينسى الناس من هو ( انت مابتعرف صليحك من عدوك ) فى الواقع او فى المثال

تقول المثالية :

– ان الهوية فكرة في السماء، لا تتغير، مقدسة، من مسها احترق.

بينما الواقعية تعتبر

– الهوية تراب في الأرض، تتغير كل يوم، لا شيء ثابت فهى رمال متحركة تبحث عن جوهر يحفظها

ونحن هنا نؤكد ان كلا الاطروحتين ناقصة …

 

ان الهوية هي *حركية الفعل وبقاء الجوهر*.

الفعل يتحرك والجوهر يبقى

ما معنى هذا؟

معناه أنني سوداني، أتغير كل يوم، أتعلم، أسافر،

– ألبس بنطلوناً بدل الجلابية،

– أتكلم إنجليزية بدل العربية،

– آكل بيتزا بدل الكسرة،

هذا فعل، والفعل يتحرك، ويجب أن يتحرك.

لكن جوهر الفعل لا يتغير. هناك شيء في داخلي لا يتبدل مثل الكياسة، النخوة، الشهامة،

ان الجلابية ليست الهوية، الكسرة ليست الهوية، اللهجة ليست الهوية.

هذه أفعال، حركية، تتبدل.

ان الهوية هي الجوهر الذي يجعل الجلابية جلابية

كما يقول الحكماء الذهب ذهب، حتى لو صاغوه خاتماً أو سلسلة أو حلقاً.

الشكل يتحرك، والجوهر يبقى.

ان مشكلتنا هى ثنائية الهوية السودانية بين المثالية والواقعية

فريق مثالي يقول:

– الهوية السودانية عربية خالصة

واخر يقول ان الهوية أفريقية خالصة

وفريق واقعي يقول:

– لا توجد هوية، نحن ساكت شوية لخبطة، كل زول

يعمل الهوية التى يراها.

 

الأول يريد أن يجمد الفعل ليحفظ الجوهر، فيقتل الاثنين.

 

الثاني يريد أن يطلق الفعل ليذيب الجوهر، فيضيع الاثنين.

الحكمة هي الفطنة التي تقف في الوسط ( سودانى وخليك سودانى)

الهوية السودانية ليست عربية ولا أفريقية، هي *سودانية*. سودانية تعني الجسر. تعني أننا

– عرب حين نحتاج الفصاحة،

– وأفارقة حين نحتاج الإيقاع،

– ومسلمون حين نحتاج الكياسة،

– ومسيحيون حين نحتاج المحبة.

سودانيتنا هي حركية:

نعانق كل الثقافات، ولا نفارق أنفسنا.

الخلاصة:

ان مايحدث فى العالم اليوم من تهميش للانسان وفقدان للطبيعة بسبب طغيان رأس المال وسيطرة التقنية الخالية من التقوى والتى ستعيدنا الى قانون الغاب هذا الواقع يجعل من الحكمه البقاء على جوهر الانسان المتمثل فى بقاء هويته مع حركية فعله ليتجنب الجمود وأيضا الهويات السائلة التى لاتعرف قيم ولا اخلاق والتى تحكمها الاهواء وتحركها الأغراض ( كل زول بيونسوا غرضوا) من هنا لابد لاهل السودان من بقاء الجوهر مع حركية الفعل:

– بأن نتعلم، أن نتغير، أن نواكب ونحافظ على كينونتنا من الزوال وللسودان من الازلال

زر الذهاب إلى الأعلى