مقالات الرأي

فريق شرطة (حقوقي) د. الطيب عبدالجليل حسين .. يكتب،، بين ثقافة الصمت وسلطة القانون (3/ 3) (التوازن بين العدالة التصالحية وسيادة القانون)

 

ضمن سلسلة مقالات (بين ثقافة الصمت وسلطة القانون) سلسلتيها (1، 2)،

يُطرح التساؤل الجوهري حول: إلى أي مدى يمكن أن تتوازن (ثقافة الصمت) مع التوجهات الحديثة المرتبطة بالعدالة التصالحية كمبدأ عام؟ ولتفكيك أبعاد هذه الإشكالية المعقدة، يسعى هذا الطرح إلى تناول المسألة عبر محاورها الرئيسية، استكشافاً لأبعادها، وتبياناً لأوجه التوازن المطلوب بين حماية الحقوق وسيادة القانون.

(أولاً) التنازع المفاهيمي بين الردع التقليدي والإنصاف التصالحي:

———————————

تُسفر التحولات الحديثة في الفقه الجنائي والسياسة الجنائية المعاصرة عن طرح تساؤلٍ محوري يعالج التنازع المفاهيمي والعميق بين فلسفتين أساسيتين: الفلسفة العقابية التقليدية القائمة على الردع بشقيه العام والخاص واستئثار الدولة بسلطة العقاب لحماية النظام العام من جهة، وفلسفة العدالة التصالحية (Restorative Justice) التي تسعى إلى جبر الأضرار، وإصلاح الاختلالات المجتمعية، وتجنب الآثار السلبية للوصم الجنائي من جهة أخرى. ولتحقيق التوازن الموضوعي والدستوري بين هذين الاتجاهين، تقتضي المقاربة القانونية الرصينة التمييز الدقيق بين المبادئ والمحددات الحاكمة لكلٍّ منهما، ضماناً لعدم إهدار المقاصد الكبرى للعدالة.

وفي هذا الإطار المفاهيمي، تُعرَّف العدالة التصالحية بوصفها نمطاً حديثاً ومتطوراً من أنماط العدالة الجنائية، يهدف إلى إشراك الجاني، والمجني عليه، والمجتمع المحلي في عملية تفاوضية وحوارية تُعالج الآثار المباشرة وغير المباشرة الناجمة عن الجريمة؛ إذ ترتكز هذه الفلسفة على جبر الضرر، وإعادة التأهيل، وتحمل المسؤولية الفردية والمجتمعية، بدلاً من الاقتصار على العقوبة السلبية أو البدنية التي قد تزيد من عمق الشرخ الاجتماعي. غير أن هذا المفهوم الحديث يرتطم بحدودٍ صارمة وضوابط قاطعة عندما يتعلق الأمر بحماية الأمن القومي والمجتمعي، أو بالوقوف في وجه الظواهر السلبية المستحدثة (كثقافة الصمت)، مما يستوجب حظراً مطلقاً وضبطاً حاسماً لحدود التنازلات وإسقاط الحقوق في نطاقين أساسيين:

(1) الجرائم ذات الطبيعة الخطرة والمساس بالأمن المجتمعي:

———————————

ينحسر مجال العدالة التصالحية كلياً أمام مبدأ النظام العام وسيادة القانون في الجرائم شديدة الجسامة – كالإرهاب، والجرائم الموجهة ضد أمن الدولة الخارجي والداخلي، والجريمة المنظمة، والقتل العمد، والاعتداءات الجسيمة على سلامة الجسد. وتكمن العلة القانونية والتأصيلية لذلك في أن المجني عليه في هذه الجرائم لا يقتصر على الشخص الطبيعي بمفرده، بل يمتد ليشمل المجتمع برمته؛ ومن ثم فإن الدعوى العمومية تصبح حقاً عاماً أصيلاً مملكوكاً للمجتمع والدولة، لا تملك أي إرادة فردية أو تسوية تصالحية سلبها أو إسقاطها أو تعطيل العقوبة المقررة لها.

(2) جرائم الاعتداء على الأطفال والجرائم الخطرة ومخاطر (ثقافة الصمت):

———————————-

يُشكل الأطفال فئة متمتعة بحماية دستورية وقانونية خاصة؛ نظرًا لعدم اكتمال أهليتهم القانونية والنفسية، وعجزهم عن الدفاع عن حقوقهم الأصيلة. وبناءً عليه، تُقر غالبية التشريعات الجنائية الدولية والمحلية ببطلان أي تنازل أو تسوية صادرين عن ولي الأمر أو وصي الطفل في الجرائم الجسيمة الموجهة ضد سلامة الطفل الجسدية أو الجنسية أو النفسية، لا سيما متى كان ذلك التنازل ناتجاً عن ضغوط مجتمعية، أو استسلاماً (لثقافة الصمت) – Culture of Silence) التي تسعى لمداراة الجريمة على حساب المجني عليه. وامتداداً لهذا المنع، تُجرّم التشريعات الحديثة الامتناع عن الإبلاغ عن الاعتداءات الواقعة على الأطفال، وتعتبر التستر أو فرض الصلح القسري جريمة قائمة بذاتها تمنع القضاء الإداري والجنائي من الاعتداد بأي تسوية تهدر حق الطفل المستقبلي في العدالة والإنصاف.

(ثانياً) التكييف التشريعي للصلح والتنازل في الجرائم الجنسية والجسدية للبالغين:

———————————-

امتداداً لبحث حدود الصلح والتنازل أمام النظام العام، يُثار التكييف القانوني لمسألة الصلح في الجرائم الواقعة على الجسد والعرض (الجرائم الجنسية) عندما يكون المجني عليه بالغاً رشيداً. وهنا تُفرق السياسة الجنائية الحديثة بدقة بين طائفتين من الجرائم:

(1) الجرائم والاعتداءات الجنسية الجسيمة للبالغين:

———————————-

تُصنَّف جرائم الاغتصاب، وهتك العرض بالقوة، والخطف المقترن بالاعتداء، بوصفها مساساً مباشراً بالطمأنينة العامة وهيبة السلطة العامة، ولا تقتصر آثارها الضارة على شخص الضحية بمفرده؛ ومن ثم فإن الدعوى الجنائية الناشئة عنها تظل حقاً عاماً أصيلاً مملكوكاً للمجتمع.

وتأسيساً على ذلك، تتأكد قاعدةٌ قاطعة مفادها أن صلح المجني عليه البالغ أو تنازله لا يُسقط الجريمة، ولا يوقف سير الدعوى العمومية، ولا يحول دون توقيع العقوبة. وينحصر الأثر الوحيد للتنازل الحر الصريح -إن وُجد – في جواز إعماله من قِبَل المحكمة كظرفٍ مخففٍ تقديري (للهبوط بالعقوبة إلى الحد الأدنى المسموح به قانوناً)، دون تفريغ أصل العقاب من مضمونه الردعي.

وفي هذا السياق، عمدت التشريعات الحديثة إلى إلغاء كافة النصوص التقليدية التي كانت تُجيز إسقاط العقوبة حال زواج الجاني من الضحية البالغة؛ باعتبار أن تلك النصوص تُشرعن الاعتداء، وتستغل ظروف الضحية المُكرهة تحت وطأة الضغوط المجتمعية وثقافة الصمت.

(2) الجرائم والتعديات المحدودة المقيدة بشكوى:

———————————-

تستثني التشريعات بعض الصور البسيطة – كالتحرش اللفظي غير المقترن بعنف أو التعديات الخفيفة – لتجعل تحريك الدعوى الجنائية أو الاستمرار في إجراءاتها متوقفاً على إرادة المجني عليه البالغ؛ وتكمن العلة من ذلك في تغليب مصلحة الضحية وصون خصوصيتها وسريتها الشخصية ومنع التشهير بها، متى كان الفعل مجرداً من أي وسيلة من وسائل الإكراه أو القوة.

ويترتب على صلح المجني عليه أو تنازله في هذه الحالات الحصرية انقضاء الدعوى الجنائية وإيقاف تنفيذ العقوبة، شريطة ثبوت سلامة الإرادة وخلوها التام من عيوب الإكراه أو التهديد أو الضغط الاجتماعي.

(ثالثاً) المعايير التشريعية والإجرائية لضمان التوازن وحماية المشروعية:

———————————-

انطلاقاً من المحددات الموضوعية للجريمة بصورها وأشكالها، ولكي تتحقق العدالة الناجزة دون تفريغ سلطة القانون من مضمونها أو إفساح المجال لعيوب (ثقافة الصمت) والإفلات من العقاب، يُلزم الفقه والتشريع الحديث مراعاة معايير وضوابط محددة تحكم نطاق هذا التوازن وتطبيقه العملي:

(1) تتجلى أولى هذه المعايير في ضبط النطاق الموضوعي لإعمال العدالة التصالحية؛ إذ يقتصر تطبيق آلياتها وتدابيرها حصراً على الجرائم البسيطة ومتوسطة الجسامة—كالخروقات الإجرائية، والمخالفات، والجنح المالية، أو التسويات التي تتطلبها بعض المنازعات الأسرية والمالية ذات الطابع الخاص التي لا تتعدى آثارها طرفيها. وفي المقابل، يفرض التشريع استبعاداً كلياً ومطلقاً للجرائم الجنائية الجسيمة والخطرة، ولا سيما الجرائم المتعلقة بالعنف ضد الأطفال والاعتداءات الجنسية الجسيمة أو الجرائم التي تمس الأمن المجتمعي، من أي مسارات صلح مطلق أو تسويات تُفرغ العقوبة من مقصدها الردعي والزجري.

(2) امتداداً للتحديد الموضوعي، تأتي كفالة الصفة القضائية وهيمنة مبدأ الأمر العام لتشكل الضمانة الإجرائية الثانية؛ حيث لا يترتب على إدخال التدابير التصالحية سلب السلطة القضائية صلاحياتها الأصيلة أو إلغاء رقابتها المباشرة والحاسمة. وتظل للنيابة العامة والقضاء السلطة الاستقدامية والمباشرة لمتابعة الخصومة الجنائية والإشراف على تفاصيلها؛ وذلك للتحقق من أن التنازل أو الصلح قد تم بإرادة حرة واعية ومكفولة الحماية، ولم يُفرض قسراً تحت وطأة الضغط الاجتماعي، أو كإفرازٍ سلبي لـ “ثقافة الصمت” والتستر المرفوض.

(3) تتوج الضوابط الإجرائية والموضوعية بإقرار مبدأ المصلحة الفضلى للطفل (Best Interests of the Child) بوصفه المعيار الحاكم والمرجعي النهائي لكل النظم التشريعية والقضائية؛ ففي الجرائم التي تطال الأطفال وتسمح فيها الأنظمة الإجرائية بتطبيق تدابير تصالحية—كالحالات المرتبطة بالعدالة التأهيلية وإعادة تدريب الأحداث الجناة—يجب أن تُوجَّه كافة التدابير لتأمين الحماية القانونية والنفسية الكاملة للطفل المجني عليه، وبما يضمن ألا تُتخذ هذه التدابير ذريعةً أو ستاراً لسلب حقه الأصيل في الحماية الدستورية، أو تعطيل توقيع الجزاء الناجز والعدل في مواجهة الجناة.

وبناء على كل ما تقدم، وتأسيساً عليه، يتجلى التوازن الحقيقي والمنشود في عدم اعتبار العدالة التصالحية بديلاً مطلقاً عن القانون الجنائي وسلطة الدولة الإلزامية، بل بوصفها وسيلة مكملة استثنائية تُطبق في حدود ضيقة ومحكومة بضوابط الشفافية، والحياد، وسيادة القانون. فالعدالة التصالحية تفقد مشروعيتها الفلسفية والأخلاقية، وتتحول إلى أداة لتقويض العدالة، إذا ما استُخدمت مظلةً لتكريس (ثقافة الصمت) أو الإفلات من العقاب في الجرائم ذات الخطورة المجتمعية، أو الجرائم الواقعة على العرض والجسد، أو إذا اتُّخذت ستاراً لإهدار الحقوق الأساسية للأطفال وللمجتمع في طمأنينته، وأمنه، واستقراره الدائمين.

فريق شرطة (حقوقي)

د. الطيب عبدالجليل حسين محمود

المحامي استشاري القانون والموثق

27 اكتوبر 2026م

زر الذهاب إلى الأعلى