مقالات الرأي

الاقتصاد وتكامل الأضداد بين النموذج اليوسفى والسبئي (رفاه المجتمع من أهم مطلوبات السيادة ) بقلم : كابتن محمد حسن الطاهر

 

التاريخ : نوفمبر . 2026. 4

 

من جميل نعم الله علينا اهل السودان ان جعلنا الله امة وسطا فلا افراط ولا تفريط حيث تربى اهل هذا الوطن على التعاون على البر والتقوى فجاءت ادبياتهم محملة بالاخاء فى الشدة والرخاء ..

فى عالم اليوم الذى ازداد توحشا يبرز سؤال فى المجتمعات الراسمالية عن من يحكم العالم هل يحكم بواسطة راس المال ام بالنظم الحكمة والحكومات سؤال يدل على قطيعة بينهما (كانهما اضداد ) يوجد حلها فى القصص القرانى ( نموذج يوسف ونموذج سبأ ) الذى وصفه الكاتلوج الربانى بانه احسن القصص ..

في قصة يوسف يجتمع الضدان السجن والقصر.

خرج يوسف من غيابة الجب إلى السجن، ثم من السجن إلى خزائن الأرض،

– فصار نموذجًا لإدارة الأزمات حين تُحوَّل المحنة إلى مشروع.

 

وفي المقابل تقف ملكة سبأ بنموذج مختلف، إذ قالت: «ما كنت قاطعة أمرًا حتى تشهدون»،

– فجعلت الشورى أساس القرار.

يبرز النموذجين الانضباط والشرعية فى اسمى صورها :

يمثل يوسف أسلوب ( السرعة والانضباط ) :

رؤية استراتيجية واضحة تبدأ من القمة، وخطة تمتد خمسة عشر عامًا

– سبع سنين دأبًا للإنتاج،

– ثم الادخار في سنبله،

– ثم سبع شداد للاستهلاك المنضبط)،

فالقيادة هنا تضع الإطار ثم تنزل به إلى التنفيذ.

 

أما ملكة سبأ فتمثل آلية المشاركة والشرعية :

– تبدأ بجمع آراء الملأ،

– وتقيس القدرة والقوة،

ان احسن القصص لايقوم على القطيعة وانما على الحكمة المتمثلة في الجمع بينهما مما يحقق :

– المنفعة الاجتماعية التى تعظم رفاه الناس

– والمصلحة القومية التى تمثل أمن الدولة وسيادتها وحدودها.

وقد جمع يوسف بينهما:

– اطعم الناس

– ورسّخ قوة الدولة معًا. و

ومنع الخلل الذى يقع حينما تطغى إحداهما على الأخرى وهو مانحتاجه اليوم نحن أمة النبي الخاتم الذى علمنا أطول دعاء لدخول السوق كانما السوق يحتاج الى انبياء لضبطه فى ظل سيادة السوق الأسود كيف نحافظ على أهم عناصر الكليات الخمس الذى يحث على حفظ النفس وهنا يبرز السؤال :

– هل يمكن ان يتكامل السوق الشعبي مع السوق الأسود؟ ( نموذج زمبابوى)

 

الواقع أنهما يلتقيان في الحاجة،

– فالسوق الأسود ينشأ حيث تعجز الأنظمة عن تلبية الطلب، ويكشف فجوات التنظيم.

 

غير أن التكامل الحقيقي لا يعني تشريع المخالفة، بل دمج ما يصلح منها في الاقتصاد الرسمي

– بالتبسيط والرقابة

– وتخفيف العوائق،

– وتجفيف ما يقوم على الاحتكار والغش.

 

فإذا كانت

– الرأسمالية تقدّس الملكية والحرية،

– والاشتراكية تقدّس العدالة التوزيعية

فان الإسلام يقف بينهما:

– يقر الملكية الفردية وحرية التجارة،

– ويقيدها بالزكاة وتحريم الربا والاحتكار والغش، ويجعل المال «دُولةً» لا يتداوله الأغنياء وحدهم.

 

وهكذا يصير الاقتصاد ميزانًا يجمع الكفاءة والعدل، تمامًا كما جمع يوسف بين السجن والقصر، فصنع من الضدين طريقًا واحدًا إلى الاستقرار.

وكما جمع القصص القرانى بين يوسف وبلقيس كنموذجين لادارة ناجحة فى صناعة سبل العيش الكريم ليخرج مصر من زل سجن الجوع الى رغد العيش الكريم

في قصة يوسف عليه السلام يتجاور المكانان المتضادان: السجن والقصر لكن يوسف لم يعبر من أحدهما إلى الآخر بالمصادفة، بل بقدرته على حل المشكلات.

ففي السجن بنى سمعته من القاعدة: خدمة الناس وتأويل أحلامهم وكسب ثقتهم،

وهذا هو الـ Bottom-Up Mechanism،

– حيث تنشأ الحلول من الواقع المعيش وتصعد إلى القمة.

ثم حين دخل القصر قدّم خطة اقتصادية متكاملة لسنوات الرخاء والجدب: ادخار وتخزين وتوزيع،

وهذا هو الـ Top-Down Technique،

– حيث تُصمَّم السياسة من أعلى وتُنزَّل إلى المجتمع.

 

اما ملكة سبأ فتقدم النموذج المكمّل: قيادة تستشير ولا تستبد، «ما كنت قاطعة أمرًا حتى تشهدون».

فالقرار يصدر من القمة لكنه يُبنى على مشاورة القاعدة.

 

وهكذا يتبين أن حل المشكلات الناجح ليس اختيارًا بين الأسلوبين، بل جمع بينهما: – رؤية من أعلى

– وتغذية راجعة من أسفل.

تعظيم رفاه الأفراد والمجتمع، مع تقديم الدولة وأمنها وهويتها.

– الأولى قد تُهمل الاعتبارات السيادية،

– والثانية قد تضحّي بالفرد من أجل الكيان.

وقد جمع يوسف بينهما:

– خزّن القمح حفاظًا على أمن الدولة،

– وفتح المخازن لأهل كنعان وغيرهم، فتحققت المنفعة العامة دون التفريط في السيادة.

ان السوق الشعبي بما فيه من تلقائية وعفوية يعكس حاجة الناس الحقيقية،

أما السوق الأسود فهو استجابة لنقص أو منع أو تسعير جائر، وهو اقتصاد ظل يتغذى على الاحتكار والفساد. وتكامل الاثنين بمعنى الشرعنة غير ممكن، لكن الاستفادة من الدرس ممكنة:

– حين يزدهر السوق الأسود فهذا مؤشر على خلل في السياسة،

وعلاجه بإدماج الأنشطة المشروعة في السوق الرسمي ومحاربة الاحتكار والغش، لا بتقنين الحرام فمجتمع حسب المرء لقيمات لايقوم على تخمة بعض افراده دون الاخرين ..

ان الإسلام حدًّا أوسط

– فإذا كانت الرأسمالية تقدّس الملكية الخاصة وحرية السوق (وهى لذلك تنتج تفاوتًا حادًا)

– بينما الاشتراكية تقدّس الملكية العامة والعدالة التوزيعية مما قد يخنق المبادرة.

جاء الإسلام ليقف بينهما:

– يقر الملكية الفردية ويقيدها بالحقوق الاجتماعية (الزكاة، تحريم الربا والاحتكار)،

– ويقر دور الدولة في الرقابة والتنظيم دون مصادرة المبادرة.

فهو وسطية أخلاقية قبل أن تكون وسطية اقتصادية: «وكذلك جعلناكم أمة وسطًا».

بين القاعدة والقمة، وبين الفرد والدولة، وبين السوق الحرة والتخطيط، يقدم لنا النموذج اليوسفي والسبئي درسًا واحدًا مفاده هو ان

الاقتصاد الناجح هو الذي يوازن بين الأضداد فيجعل من الاختلاف تكاملًا.

زر الذهاب إلى الأعلى