كلمة الامين العام لرابطة رعاية الشباب والطلاب بجدة المهندس محمد عثمان في وداع القنصل العام بجدة
بسم الله الرحمن الرحيم،
والحمد لله القائل في محكم التنزيل: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾، والصلاة والسلام على نبيّ الوفاء ومتمم مكارم الأخلاق، وعلى آله وصحبه أجمعين.
سعادة السفير الدكتور/ كمال علي عثمان، قنصل عام جمهورية السودان بجدة..
أصحاب السعادة والمقامات الرفيعة، الحضور الكريم جميعاً مع حفظ الألقاب والمقامات..
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
يَقِفُ اللسانُ في مَقاماتِ الوداعِ مُتَهَيِّباً، وتَعجِزُ البلاغةُ أن تُوفِيَ أهلَ البَذلِ حَقَّهُم، فكيفَ إذا كانَ المُوَدَّعُ قامةً ديبلوماسيةً وإنسانيةً سَطَّرَت في أرضِ المَهجرِ مَلاحِمَ من العَطاءِ لا يَمحُوها تَعاقُبُ الأيام!
نَقِفُ اليومَ أمامَكم، أصالةً عن أنفُسِنا ونيابةً عن جمعية رعاية الشباب والطلاب بجدة وعن كُلِّ شابٍّ وطالبٍ في رُبوعِ المنطقةِ الغربية، لا لنقولَ وداعاً، بل لِنَنطِقَ بالوفاءِ لِصاحبِ الوفاء، ولنَرفعَ أكُفَّ الشُّكرِ والتجلَّةِ لِرجلٍ لم يكُن مُجرَّدَ رَاعٍ لِبعثةٍ دبلوماسية، بل كانَ أباً حانياً، وظِلاً ظَليلاً، وسَنَداً مَكيناً لأبنائِه في أَحلكِ الظُّروفِ وأقسَى المُنْعَطَفات.
سعادة السفير و الحضور الكريم ..
إنَّ الرِّجالَ لا تُقاسُ بسِنيِّ إقامتِها، وإنَّما بِعَظيمِ أثَرِها؛ وحينَ عَصَفَت بالوطنِ نِيرانُ الحَربِ، واضطُرَّ أهلُنا وأبناؤنا للنزوحِ والمَسير، كُنتُم أنتُم وطاقَمُ قُنصليَّتِكم المَيمونِ المَلاذَ الآمِنَ واليَدَ الحانية.
لَن يَنسى تاريخُ طُلابِنا تِلكَ الوقفةَ الشَّامخةَ في تَذليلِ عِقَابِ امتحاناتِ الشهادةِ السودانيةِ بِمُختلَفِ مَراحِلِها؛ يَومَ واجَهتُم التَّحدِّي بِعزيمةِ القائدِ وصِدقِ الأب، فنَسَّقتُم بِحِكمةٍ واقتدارٍ مع الإخوةِ الأكارمِ في «جامعةِ جِدَّة»، وهيَّأتُم لأبنائِنا قاعاتِ الامتِحانِ وسُبُلَ الرَّاحة، لِتَنتَزِعوا الأملَ مِن بَينِ أنيابِ اليَأس، وتَحرُسوا مُستقبَلَ أجيالٍ كادت أن تَسحَقَها المِحن.
ولَم تَقِف مآثِرُكم عندَ مَقاعِدِ الدِّراسة، بل كُنتُم الجِسرَ الذي عَبَرَ عليهِ أطِبَّاءُ الغَدِ نَحوَ مَيادينِ البَذل؛ إذ رَعَيتُم بالتَّنسيقِ مع المجلسِ الطبيِّ السودانيِّ أداءَ القَسَمِ الطِّبِّيِّ لِخِرِّيجي الكُليَّاتِ الطِّبيَّة، دافِعينَ بِهم إلى مُعتَرَكِ الحياةِ المِهنيَّةِ بِثِقَةٍ واعتزاز.
ثمَّ كانت لَمساتُكم الإداريةُ والإنسانيةُ شاهِداً على فَصيحِ هِمَّتِكم؛ فنَظَّمتُم العَودةَ الطَّوعيَّةَ لِمَن تَقَطَّعَت بِهم السُّبُل، ونَقَلتُم الخِدماتِ القُنصليَّةَ نَقلةً نَوعيَّةً عَصريَّة، فاستَحالَت المَشقَّةُ تَيَسيراً عِبرَ مَساراتِ التَّحوُّلِ الإلِكترونيِّ التي أتاحَت للمُواطنِ إنجازَ مُعاملاتِه عن بُعد، وتَحقَّقَت السُّلاسةُ في استخراجِ الوثائقِ الثُّبوتيَّةِ والجَوازات، كَرامةً لِلمُواطنِ السُّودانيِّ ورَفْعاً لِمَشَقَّتِه.
سعادة الدكتور كمال..
إنَّ مِن أعظَمِ الغِراسِ التي أورَقَت في عهدِكم المَيمون، شِراءَ المَقَرِّ الجَديدِ لِقُنصليَّةِ جمهوريَّةِ السُّودانِ بجدَّة؛ هذا الصَّرحُ الذي سَيَقِفُ شاهِداً على بُعدِ نَظَرِكم وحِرصِكم على هَيبةِ الدَّولةِ وعِزَّةِ قنصليتها ومُواطِنيها. وإنَّنا إذ نَترَقَّبُ افتِتاحَهُ في مُقبِلِ الأيَّامِ بإذنِ الله، فإنَّ عُيونَ الجاليةِ كُلَّها، وقُلوبَ شَبابِها وطُلابِها، تَتَطلَّعُ بِأملٍ ومَحَبَّةٍ إلى أن تَكونوا أنتُم في صَدارَةِ مَن يَقُصُّ شَريطَ افتِتاحِه، تَكليفاً لِتاريخِكم، وتَشريفاً لِمَحفِلِنا، وتَخليداً لِصَنِيعِكم الذي لن يَغيب.
أيُّها السَّفيرُ الكريم المعطاء ..
إنْ كانَ لِلقَوانينِ الدِّبلوماسيَّةِ مَواعيدُ لِلتَّنقُّلِ والانتقال، فإنَّ لِقوانينِ القُلوبِ حُكماً آخَر لا يَعترِفُ بالنِّهايات؛ لَقَد دَخَلتُم قُلوبَنا بلا استِئذان، وتَركتُم في كُلِّ رُكنٍ بَصمةً لا تُمحَى، وخِدماتٍ لا تُحصى، وذِكرى سَتَظَلُّ شَذِيَّةً في ذاكِرةِ طُلابِ وشَبابِ السُّودانِ في المَملكةِ المِعطاء.
نَسألُ اللهَ العَليَّ القَديرَ أن يَجزِيَكُم عنَّا وعن كلِّ طالِبٍ سَعَيتُم في مَصلَحَتِه، وعن كُلِّ أُسرَةٍ فَرَّجتُم كُربَتَها، خَيرَ ما جَزى عَبداً عن إخوانِه ووطَنِه، وأن يَجعَلَ كُلَّ ما قَدَّمتُموهُ في مَوازينِ حَسَناتِكم، وأن يُسَدِّدَ خُطاكم في مَيادينِ الخِدمةِ القادِمة، مُتَمنِّينَ لَكُم مَزيداً من الرِّفعةِ والتَّوفيقِ والسَّداد.
حضورنا الكريم ..
وقبلَ أن نَختِم، تَرنو قُلوبُنا خاشِعةً إلى سماءِ الرَّحمنِ تضرُّعاً ودُعاء:
اللهمَّ احفَظ بِلادَنا السُّودان، واكشِف عنها الغُمَّة، وانصُر قواتِنا المُسَلَّحةَ وجَيشَنا السُّودانيَّ نَصراً مُؤزَّراً، وثَبِّت أقدامَهُم في مَيادينِ الشَّرفِ والفِداء، اللهمَّ ارحَم شُهداءَنا الأبرارَ وأنزِلهم مَنازِلَ الصِّدِّيقين، واشفِ جَرحانا وعافِ مُصابينا، ورُدَّ كُلَّ غائبٍ ونازِحٍ إلى دِيارِه سالِماً غانِماً مُعافى.
ولا يَفوتُنا في هذا المَقامِ الطَّيِّب، ونَحنُ نَفيءُ إلى ظِلالِ هذا البَلدِ الأمين، إلَّا أن نَرفَعَ أسمَى آياتِ الشُّكرِ والعِرفانِ والدُّعاءِ لِـ«مَملكةِ الإنسانيَّة»، المملكةِ العربيَّةِ السُّعوديَّة؛ قيادةً وشَعباً، لِقاءَ ما غَمَرونا بهِ مِن حُسنِ وِفادَةٍ وكَريمِ إخاء.
اللهمَّ احفَظ خادِمَ الحَرَمينِ الشَّريفينِ المَلِكَ سَلمانَ بنَ عبدِ العزيز، ووَلِيَّ عَهدِه الأمينَ الأميرَ مُحمَّدَ بنَ سَلمان، وأدِم عليهما لباسَ الصِّحَّةِ والعافيةِ والتَّوفيق. اللهمَّ احفَظ المملكةَ وأهلَها وجَيشَها الباسِل، ورابِط على ثُغورِهم، وانصُرهم على أعداءِ الحَرَمينِ الشَّريفينِ وأعداءِ الأمَّةِ الإسلاميَّة، واجعَل هذا البَلدَ آمِناً مُطمَئِنّاً، سَخاءً رَخاءً، وسائِرَ بِلادِ المُسلمين.
طِبتُم وطابَ مَسعاكُم، وحَفِظَ اللهُ السُّودانَ والمَملكة، وجَمعَنا دائماً على دُروبِ الخَيرِ والوفاء.
والسلامُ عليكم ورحمة اللهِ تعالى وبركاته.


