مقالات الرأي

كيفما  د. غالب محمد طه .. يكتب ،، من يدفع ثمن بقاء التعليم؟

 

سألتُ أخي أبا حمزة عن رسوم مدارس أبنائه، فأخبرني أن المطلوب منه أكثر من سبعة ملايين جنيه سوداني عن العام الدراسي، دون الترحيل. أربعة أطفال؛ اثنان في الصف الثالث، والثالث في الرابع، والرابع في الخامس. ثم أضاف أن المبلغ مطلوب كاملاً خلال أشهر قليلة، رغم قصر العام الدراسي.

 

سبعة ملايين جنيه لأطفال ما زالوا في المرحلة الابتدائية! بقي الرقم عالقاً في ذهني. حاولت أن أتصور كيف يدبر موظف محدود الدخل هذا المبلغ، بينما عليه أن يوفر الخبز والعلاج والمواصلات وسائر احتياجات البيت. وماذا لو كان لديه ابن في الجامعة أيضاً؟ يبدو أن حسابات التعليم أصبحت تحتاج إلى ما هو أكثر من راتب آخر الشهر.

 

تذكرت حديث أبي حمزة وأنا أقرأ مقال الدكتور الهادي عبدالله أبوضفائر «موت التعليم في وجدان أمة». رسم الكاتب صورة موجعة للتعليم جثةً ملقاة على الأرض بلا كفن ولا مشيّعين. أعادتني الصورة إلى ما عاشه السودانيون خلال الحرب. كم من أسرة شيّعت عزيزاً عليها، ثم عادت إلى بيتها تحاول مواصلة الحياة؟ صار الموت قريباً من الناس، ومع ذلك ظلوا يبحثون عن أسباب البقاء.

 

والتعليم أيضاً وجد من يتمسك به. تفرّق أساتذته وطلابه، وأُغلقت مدارس وجامعات، ثم عادت فصول تستقبل الأطفال، وامتحانات تُعقد، ومعلمون يتابعون طلابهم من أماكن بعيدة. حتى المدارس الحكومية التي نعرف ضعف إمكاناتها عادت للعمل في بعض المناطق. هناك أناس بذلوا جهداً كبيراً حتى لا تضيع سنوات أخرى من أعمار التلاميذ.

 

وأنا أقرأ مقال الدكتور الهادي، شعرت أن حديثي عن الرسوم لا يلامس كل ما كان يقصده. كان يتحدث عن مكانة المعلم، وعن المعرفة حين تصبح سلعة، وعن تلميذ قد لا يكفيه ما يتلقاه داخل الفصل، فيجد أهله أنفسهم مطالبين بدفع المزيد مقابل الدروس والمذكرات. هذه مشكلة تمس الثقة في المدرسة نفسها. ومن المؤلم أن يشعر الأب بأنه مطالب بشراء التعليم مرتين، مرة حين يسدد الرسوم، وأخرى حين يبحث لابنه عما فاته داخل الفصل.

 

ثم هناك المدارس الخاصة. لا أنكر أن بعضها أنفق على إصلاح مبانيه وتجهيز فصوله بعد الحرب، وأن تكاليف التشغيل ارتفعت على الجميع. وأعرف أن الرسوم تختلف بحسب المدرسة وموقعها وخدماتها. لكن بعض المبالغ المطلوبة أصبحت فوق قدرة أسر فقدت أعمالها ومدخراتها، خاصة حين يُطلب سدادها خلال أشهر قليلة. وأظن أن من حق هذه الأسر أن تعرف ما الذي تدفع مقابله كل هذا المال، وأن تجد قدراً من المرونة يراعي ظروفها.

 

والمعلم نفسه يعيش المحنة. ربما فقد منزله أو راتبه، وربما يبحث لأبنائه عن مدرسة مثل بقية الناس. لقد تحمل المعلمون كثيراً، وهناك من واصل التدريس رغم كل ما أصابه. ومن حقهم أن يجدوا ما يصون كرامتهم. أما استغلال حاجة التلميذ فلا أجد له عذراً، مهما ضاقت الأحوال.

 

لا أعرف كيف يمكن إصلاح كل ما أصاب التعليم في السودان خلال سنوات قليلة. فقد بدأت أزماته قبل الحرب بوقت طويل، ثم جاءت الحرب لتزيدها قسوة. لكنني أعرف أن الأسرة لم تعد قادرة على تحمل المزيد إلى ما لا نهاية. تقسيط الرسوم ومراعاة الأسر التي لديها أكثر من طفل أمران يمكن البدء بهما، كما أن المدرسة الحكومية تحتاج إلى ما يعينها على استعادة دورها. فهناك أطفال لم يعودوا إلى الدراسة أصلاً، وبعضهم قد لا يعود إذا طال الانتظار.

 

ما زلت أفكر في حديث أبي حمزة. سبعة ملايين جنيه لأربعة أطفال، وأسرة مطالبة بتدبيرها خلال أشهر قليلة. وأفكر في الأسر التي نزحت وفقدت مصادر رزقها، ثم بدأت تبحث عن مدرسة لأبنائها في المكان الذي انتهى بها إليه النزوح. هذا الحرص على التعليم شيء يستحق أن نحافظ عليه، وقد عرفناه في بيوتنا السودانية منذ زمن بعيد.

 

لكن هناك أطفالاً لا يستطيع آباؤهم دفع الرسوم، وربما يعجزون عن شراء الكتب والكراسات. وهؤلاء أيضاً يريدون أن يتعلموا، ولم يختاروا الظروف التي وجدوا أنفسهم فيها.

 

ربما كان الدكتور الهادي محقاً في خوفه على روح التعليم وما أصاب رسالته من تراجع. أما أنا، فبعد حديث أبي حمزة، أصبحت أخشى أن يتسع الفرق بين طفل يجد مقعداً في المدرسة لأن أسرته استطاعت الدفع، وآخر ينتظر فرصة قد لا تأتي.

 

لقد أبقى السودانيون التعليم حياً بما تحملوه من تضحيات. لكنني كلما عدت إلى فاتورة أبي حمزة، وجدت سؤالاً آخر ينتظر الإجابة.

 

لمن بقي التعليم حياً؟

زر الذهاب إلى الأعلى