إسيديات الثلاثاء ،، عثمان الشيخ الأسيد .. يكتب … كيف تفكر كيف تعيش

زوجك.. وظيفتك.. بيتك.. سيارتك.. هاتفك.. ملابسك.. مفرداتك.. المحيط الذي تعيش فيه.. كل هذه الأشياء، أنت الذي اخترتها، لا أحد سواك.. طريقة تفكيرك هي التي قادتك الى هذه الأشياء وجذبتها اليك. وإن لم يكن لك زوج، ولا وظيفة ولا سيارة، ولا منزل ولا شيء، فإن طريقة تفكيرك هي – أيضا – التي حرمتك هذه الأشياء.. هذا الكلام حقيقة، وليس مجرد تنظير، أو فلسفة، وليس من تأليفي، فأنا لست مؤلفًا، ولا فيلسوفًا، ولستُ بمفكر ولا بصحفي، ولستُ ممن يستعرضون عضلاتهم البلاغية. أنا مجرد ناقلٍ، اجتهدت في الاختيار ( (اختيارُ المرءِ قطعةٌ من عقله، ومعيارٌ على نقصه أو فضله).. نقلتُ لكم نذرًا يسيرًا من الكتاب والسنة (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا) النساء 87.. واقتبستُ من كتب الإجتماع والفلسفة والتاريخ، ومن المقالات ومن أفواه الزهاد، والعلماء والحكماء والشعراء والمجانين، ومن النساء صاحبات العقل والرأي. ثم قارنت ذلك بما أحمله من خبراتٍ وتجاربَ، بمشاهداتي لما يدور حولي من سلوك البشر وطريقة حياتهم ومن عصارة تجربتي في الحياة ومن واقع ملاحظاتي للناس وأسلوب حياتهم المتمثل في ميولهم، في نظراتهم، في طريقة كلامهم، في ثقافتهم الغذائية، في طريقة أكلهم، في حركة مشيتهم في ملبسهم، في تعاملهم مع الغير، في تعليم ابنائهم وتربيتهم، وانعكاس ذلك وأثره عليهم..كل هذا وذاك، أكد لي – مما لا يدعو مجالًا للشك – ان أن قاعدة ( كيف تفكر كيف تعيش) هي حقيقةٌ لا غبارَ عليها، ولها مدلولاتها الدينية والدنيوية.
بمقدورك قيادة تفكيرك مثلما تقود السيارة. عجلة قيادة تفكيرك بيدك، تتحكم فيها كيف تشاء ووقت تشاء ، وأين تشاء.. تسرع بتفكيرك.. تبطئ به.. تتهور، تتروى.. تربط الحزام أو لا تربطه.. تختار المسار الذي تريد ان تسير فيه.. تلزم يمين الطريق، تلزم يساره.. تخالف.. تلتزم.. تتجاوز.. تتوقف تماما.. هذا هو تفكيرك وأنت القائد والموجه، لا أحد سواك. كله تحت تصرفك.وانت الذي تتحمل النتائج.
لكل شيء قانون، وقانون قاعدة، كيف تفكر كيف تعيش: ( التخلي والانفتاح) تتخلى عن الأفكار القديمة، وتنفتح ذهنيًا لاستقبال الجديد.. أما الشروط فهي كثيرة، منها على سبيل المثال: التفاؤل.. تجنب سماع الاخبار.. تجنب مخالطة المحبطين( الصاحب ساحب) تجنب المبرراتية، الذين يجدون لكل فكرة مبررًا، ويتهمون أصحابَ الفكر الإيجابي بالتنظير، هؤلاء أبتعد عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ.. يجب أن تتعامل مع الحياة بمسؤولية وتفاؤل.
طريقةُ تفكير الوليد بن المغيرة هي أفضل أنموذج للإنسان المنغلق رغم اقتناعه بأن ما سمعه من قرآنٍ هو ليس شعرًا و لا سحرا، ولكن التمسك بتقاليد العشيرة، والانغلاق الفكري، جعلته يفكر بطريقة خاطئة. ولأهمية التفكير وأثره ونتائجه ، نزل فيه قرآن يُتلى حتى يومنا هذا والى يوم الدين، قال تعالى: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ .فَقُتِلَ كَيْفَ قدر (المدثر 18).. فكر في نفسه، وكانت نتيجة تفكيره الطعن في القرآن، ثم قطَّب وجهه، واشتدَّ في العبوس، ثم رجع معرضًا عن الحق، كل هذه التعابير اللفظية والجسدية نتيجة لعدم اقتناعه بالمبدأ، لانغلاق فكره، ولو كان منفتحًا ذهنيًا وتخلى عن معتقده السابق، لنجى بنفسه. فأنني قرأت فيما قرأت أن الأيمانَ هو الذي يفتح القلب، وينير البصيرة، وينبه أجهزة الاستقبال والاستجابة في الفطرة، ويصل الكائن الإنساني بالوجود، ويدعو الوجدانَ إلى الإيمان بالله خالقِ الجميع، وإلا فإن هناك قلوبا مغلقة، وبصائرَ مطموسةً وفطرا منتكسة، تمر بهذا الإبداع كله ، وبهذه الآيات كلها ، فلا تحس بها ولا تستجيب. إنما يستجيب الذين يسمعون وإنما يدرك هذه الآيات الذين يؤمنون.. أنتهى.
ليس هناك قوة تستطيع ان تمنعك من التفكير الصحيح، انت فقط من يعيق نفسه.. في جملة من الحديث النبوي الصحيح: (احْرِصْ علَى ما يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ باللَّهِ وَلَا تَعْجِزْ،)
حتى الحروب لا تجعلها سببا ًفي هوانك وضعفك ( قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها )النساء. ليس لديك أي مبرر ولا عذر، كي تعلق إخفاقاتك على شماعة الظروف والحظ والحكومات، هذه أصنامٌ أوجدناها نحن داخل نفوسنا، وجب تحطيمها فورا، إن استمعنا، وعقلنا، فزنا، وإلا نكون كالذين قال الله تعالى فيهم : (إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ) الانعام 22.. قيل الدواب الخلق ، أما الصم البكم الذين لا يعقلون، قال: الذين لا يتّبعون الحق. ” الحق هو الذي في مقابلة الباطل والأشياء قد تستبان بأضدادها، قال الشاعر: الضدُ يُظهر حسنَه الضدُ. فليس في هذه الحياة الدنيا شيءٌ مطلق، يوجد الخير والشر، الثراء والفقر، الحسن والسيء، الجميل والقبيح، الصدق والكذب، الأمانة والخيانة، الحسد والغبطة. قصدتُ من هذا الكلام ان لا تيأس حين تواجه التحديات في طريقك. إنها تحديات، فمن الان وصاعدًا، لا تنطق مفردة ( مشكلة ) هذه الكلمة احذفها من قاموسك فورًا لأن نطقك للكملة يستدعيها .
لا تنطقن بما كرهت فربما ** نطق اللسان بحادث؛ فيكون
كن إيجابيًا، فإن كلَّ الناجحين ايجابيون.. ولا تكن سلبيًا، لأن كل السلبيين فاشلون.. من حقك أن تسأل: كيف أكون أيجابيًا، وكيف أكون سلبيًا؟
حتى لا تكون سلبيًا، لا تتصيد أخطاءَ الاخرين، لا تمارس الانتقاد حتى لو كان بناءً، لا تلمِ الآخرين.. تجنب الإهانةَ والتجريح.. لا تكن سيئَ المزاج.. لا تمثِّل دورَ الضحية، فيشمت أعداؤك ويحزن أحباؤك.. لا تتكبر، قال أحدهم: عجبتُ لمن يتكبر وقد خرج من مخرج البول مرتين.. لا تجلد ذاتك، جلدُ الذات هو نقد الانسان لنفسه بشكل مستمر.. يرى الخبراءُ أن أسبابَ جلد الذات كثيرة، منها الهروب من الفشل، الجهل، الانطواء، الفراغ، عدم الشعور بوجود الأمل، تكرار الأفكار السلبية، الخمول وعدم ممارسة الرياضة، عدم الثقة بالنفس والتأثر بكلام الآخرين وغيرها وغيرها الكثير..
أما كيف تكون إيجابيًا، فيمكنك ان تعكسَ كلَ ما ورد أعلاه عن السلبيات وتحولها الي إيجابيات ومن الإيجابيات: الاهتمام بالآخرين و احترامهم، تقديم العون والمساعدة، الابتسامة.. قدِّم المدحَ البنَّاءَ بدلًا عن النقد البنَّاء.. تصيَّد الحسنات، بدلا عن تصيُّدِ الأخطاء، وغيرها كثير من الاعمال الإيجابية التي هي ممكنة ومتاحة، فقط تحتاج من يقتنع ويفتح ذهنه لها.. هذا ليس حديثى ولكنه كلام الله ، فقد سمعته يقول: ﴿ لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ ۚ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَٰلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا ﴾ [النساء: 114].
في اليوم الواحد تمر علينا عشرات الآلاف من الانفعالات السلبية والايجابية في تعاملنا مع الآخرين، وهنا مربط الفرس، على سبيل المثال: أنت الآن في حالة راهنة، وتريد أن تكون أفضل في المستقبل، وما بين أنت عليه الآن وما تريد أن تكون عليه يوجد فراغ، وهذا الفراغ ولمن يريد ان ينجح يجب عليه أن يملأه بالطاقة الإيجابية التي سترتد اليه، هذا ما يسميه علماء تطوير الذات بـ ( نظرية الدلو والمغرفة) إملأ دلوَ اخيك يمتلئ دلوُك. هذه النظرية نبهنا اليها الرسول صلى الله عليه وسلم في حديثه، (ما من مؤمن يدعو لأخيه بظهر الغيب إلا قال الملك الموكل: آمين ولك بمثله) فدعوة المسلم لأخيه المسلم في ظهر الغيب مستجابة، فأنت إذا دعوت لأخيك تنفعه وتنفع نفسك، الملك يؤمن ويدعو لك يقول لك: ولك بمثله، فإذا قلت اللهم اغفر لفلان، اللهم أصلح قلبه وعمله، اللهم يسر أموره، اللهم ارزقه كل ذلك يعود اليك، اليست هذه هي نظرية الدلو والمغرفة؟
ونفس الشي عندما تتعامل مع الآخرين بطاقة سلبية سوف ترتد عليك هذا الطاقة السالبة، وكذلك اختيارك للأعمال السيئة الناتجة عن افكارك السيئة سوف تؤدي الي نتائجَ سيئةٍ، ويعود ضررُها عليك فتجنبها.. قال تعالى: { إِن ْأَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فلها } [الإسراء: 7]..
ومن الاعمال السيئة – التي إن عملتها يعود ضررها عليك – المَكر: لو مكرت على الناس سوف يعود المكرُ عليك { وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ} [فاطر: 43]
والبغي: وهو الظلم وتجاوز الحدّ، وجنسٌ من الفساد، إنه سوف يعود عليك.. [إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنفُسِكُم] [يونس: 23]،
والنكث: وهو نقض العهد، الذي إن فعلته سوف يعود عليك.. { فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ} [الفتح: 10]..
أن حياتك التي تعيشها حاليا، هي عبارة عن معالجة لبيانات أدخلتها أنت في عقلك، ومن الانصاف أن تكون المخرجات حسب المدخلات ( الأسباب المتشابهة تؤدي الي نتائجَ متشابهة)
وإلى ذلك الحين، غير طريقةَ تفكيرك ، وفكِّر خارج الصندوق، ولا تنجرف مع سفسطة البعض، الذين يخوضون في جدل ( الانسان مسيَّر أم مخيَّر؟ فتكون محيَّر) ولا جدلية، البيضة من الدجاجة، أم الدجاجة من البيضة، فيذهب الناس بالدجاجة وبيضها، ويتركونك تائهًا مع اللُغز.. ولا تجادل في السياسة، هذه موضوع من لا موضوع له، أترك الكلام وأعمل، قيل ( ليلة العمل خير من الف ليلة كلام) كن جاهزا لاستثمار الفرصة، الفرص دائما متاحة ولكنها تتطلب منك ان تكون جاهزاً بملابس العمل، وإلا سوف تفوتك.. إبدأ الآن وإن لم يكن أنت، فمن؟ وإن لم يكن الآن ،فمتى؟ ولأني أعلم أن ( زمار الحي لا يُطرب) فأُطمئنُكم أنّ هذا ليس من تأليفي ولا تلحيني، إن كان لي فيه خيارٌ، فهو جُهدُ الاختيار
أما أنت، فلك القرار.. لا تتردد.. غيِّر طريقةَ تفكيرك نحو الأفضل.. أما إن كنتَ تخشى الناسَ وكلام الناس، فلا تقلْ شيئًا، ولا تفعل شيئًا، ولا تكن شيئًا
اللهم إني بلغت اللهم فاشهد
والله أعلى وأعلم..
10 سبتمبر 2024م


