عمر محمد عثمان .. يكتب .. نظام الحكم والقانون وموقع الشرطة في السودان الحاجة لنقاش عميق وتوافق وطني (٢-٢)

الشرطة ما بين دستور ٢٠٠٥م والوثيقة الدستورية ٢٠١٩م :
بعد توقيع اتفاقية السلام الشامل، نص دستور ٢٠٠٥م على توزيع الصلاحيات بين الشرطة القومية وشرطة الولايات، مما يعكس التوجه الفيدرالي للدولة. ورغم ذلك، ظل هناك جدل حول حدود الصلاحيات بين المركز والولايات، وتأثير هذا التوزيع على فاعلية الأداء الشرطي. الوثيقة الدستورية لعام ٢٠١٩م نصت على قوات الشرطة، ووصفتها بأنها “قوات نظامية قومية لإنفاذ القانون، تختص بحفظ الأمن وسلامة المجتمع، وتخضع لسياسات وقرارات السلطة التنفيذية وفق القانون.” كما أشارت إلى أن العلاقة بين الشرطة والسلطة السيادية تُنظم بقانوني الشرطة والقوات المسلحة. إلا أن هذا النص جاء بصياغة غير محكمة، مما أدى إلى إرباك في تبعية الشرطة بين الجهازين التنفيذي والسيادي. وقد زاد الوضع تعقيدًا بسبب عدم تعديل قانون الشرطة لعام ٢٠٠٨م، الذي كان من المفترض أن يوضح تفاصيل هذه العلاقة المربكة. علاوة على ذلك، لم تحدد الوثيقة بوضوح ما إذا كانت الشرطة مركزية أم لا، باستثناء الإشارة إلى أنها “قومية”، والتي قد يُفهم منها المركزية. غير أن الوثيقة تتحدث عن أن طبيعة الدولة لا مركزية. وفي المقابل، نص دستور السودان لعام ٢٠٠٥م، المستند إلى اتفاقية السلام الشامل، على “لامركزية الشرطة” على المستويات القومية، ومستوى جنوب السودان، والولايات. ومع ذلك، لم تُطبق اللامركزية بشكل دقيق، واستمرت الشرطة تُدار مركزيًا بالتنسيق مع الولايات.
تُعتبر مسألة المركزية أو اللامركزية في إدارة الشرطة مسألة بالغة الأهمية. ونرى أن المركزية، أو ما يمكن تسميته بالقومية، ضرورة تمليها التحديات الأمنية الراهنة، إذ يمكن للشرطة أن تلعب دورًا حيويًا في تحقيق الاستقرار في مرحلة الحرب وما بعدها. ينبغي أن تكون قيادة الشرطة مركزية موحدة وتحت الإشراف المباشر لوزير الداخلية، لكن دون الاعتماد على مركزية مطلقة تحرم حكام الأقاليم و الولاة من صلاحيات اتخاذ قرارات أمنية، أو تلغي دورهم الإشرافي والتشغيلي. لذلك، يُفضل اعتماد نظام مركزي مرن يُمكّن وزارة الداخلية من تفويض الولاة ومديري الشرطة في الولايات بصلاحيات اتخاذ القرارات الأمنية وفق القوانين واللوائح المنظمة لهذا الشأن.
أهمية النظام المركزي للشرطة في السودان :
1. تعزيز الوحدة الوطنية :
– تُسهم الشرطة المركزية ذات السلطة الموحدة في تحقيق الأمن الوطني بشكل متسق في جميع أنحاء البلاد، مما يمنع التشرذم الأمني وتفكيك مؤسسات الدولة.
2. مواجهة النزعات الانفصالية :
– في ظل تصاعد التوترات المحلية و بعض النزعات الانفصالية، يمكن للشرطة المركزية أن تكون أداة فاعلة في تعزيز سيادة الدولة ومنع تحول أي منطقة إلى جيوب أمنية مستقلة قد تعزز الانفصال.
3. ضمان حيادية العمل الشرطي :
– تساهم الشرطة المركزية التي تعمل بمعايير موحدة في تقليل تأثير الضغوط المحلية، حيث يمكنها تقديم الخدمات الأمنية بعيدًا عن التجاذبات القبلية والسياسية على المستوى المحلي.
4. كفاءة التنسيق الأمني:
– يسهل وجود قيادة مركزية التنسيق بين مختلف الولايات، ويضمن توزيع الموارد البشرية والمادية وفق احتياجات كل منطقة، مما يعزز سرعة الاستجابة للأزمات الأمنية.
5. إبقاء الشرطة خارج الصراعات السياسية المحلية :
– في نظام لا مركزي قد تتعرض الشرطة المحلية لضغوط من الحكومات الإقليمية أو القبلية، بينما في النظام المركزي يكون القرار الأمني موحدًا ومستقلًا عن التجاذبات المحلية.
6. الحفاظ على هوية وطنية موحدة :
– تُسهم الشرطة المركزية في تعزيز الشعور بالانتماء الوطني عبر العمل على مستوى البلاد ككل، بعيدًا عن الانقسامات الإثنية أو الجهوية.
تحديات المركزية وكيفية تجاوزها :
قد يواجه النظام المركزي تحديات مثل عدم الاستجابة للاحتياجات المحلية. لذا، يُنصح بأن يتمتع النظام المركزي بمرونة تسمح بإشراك المجتمع المحلي في صنع القرار الأمني. يُفضل إنشاء لجان مجتمعية تتعاون مع الشرطة لضمان مراعاة الاحتياجات الخاصة لكل منطقة.
الوضع الدستوري للشرطة :
يتطلب تعريف الشرطة وطبيعتها، والنص على استقلالية الشرطة، تحقيق التوازن بين دورها في حفظ الأمن وحماية حقوق الإنسان، الشفافية والمساءلة ، مركزية الشرطة و توزيع الصلاحيات بين المركز والولايات، تعزيز مفهوم الشرطة المجتمعية، حصانة الشرطة بالشكل الذي يشكل حماية لمنسوبيها في أداء الواجب. الحق في الانتماء للشرطة.
تعريف دستوري مقترح للشرطة السودانية :
1. الشرطة السودانية جهاز نظامي مركزي، يتولى حفظ الأمن العام، إنفاذ القانون، وحماية الأرواح والممتلكات في كافة أنحاء البلاد، مع الالتزام التام بضمان حقوق المواطنين وحرياتهم وفق أحكام الدستور والقانون. تتمتع الشرطة باستقلالية إدارية ومهنية، وتخضع لإشراف السلطة التنفيذية على المستوى الاتحادي، مع التنسيق المستمر مع الأجهزة العدلية والقضائية لتحقيق العدالة وسيادة القانون. وتضم الشرطة وحدات ذات تدريب خاص وصبغة شبه عسكرية للتعامل مع الطوارئ والأزمات الأمنية.
2. تتبع الشرطة لرأس الدولة، بما يضمن تماسك السيادة الوطنية واستقرار الدولة. في ذات الوقت، تخضع الشرطة للإشراف المباشر من السلطة التنفيذية، ممثلة في رئيس الوزراء ووزير الداخلية، وذلك لضمان التنسيق الفعّال بين الأجهزة الحكومية وتعزيز الكفاءة في إنفاذ القوانين وحفظ الأمن.
3. يعيَّن رأس الدولة مدير عام قوات الشرطة ونائبه، بناءً على توصية من رئيس مجلس الوزراء.
4. يُنشأ مجلس أعلى للشرطة يُحدد القانون شكله وعضويته و سلطاته وصلاحياته. على أن يتولى هذا المجلس ترشيح ثلاثة من الضباط برتبة لواء فأعلى إلى وزير الداخلية، ليختار الوزير اثنين منهم ويُوصي لرئيس الوزراء بتعيينهما مدير عام ونائب مدير عام قوات الشرطة.
5. يتم تحديد المهام والصلاحيات والمسؤوليات الخاصة بالشرطة بموجب القوانين والتشريعات المعمول بها، بما يضمن تحقيق التوازن بين الالتزام بالسياسات العامة للدولة وحقوق الأفراد. بالشكل الذي يضمن استقلالية الشرطة في أداء مهامها، مع ضرورة التزامها بالقوانين والخطط والسياسات المعتمدة من الجهاز التنفيذي، مما يعزز الفعالية ويؤكد على الدور المحوري للشرطة في بناء مجتمع آمن ومستقر.
6. تعزز الشرطة مفهوم الشرطة المجتمعية من خلال الشراكة مع المجتمع، بما يسهم في بناء الثقة المتبادلة بين المواطنين والشرطة وتحقيق شعار الأمن مسؤولية الجميع.
7. الشرطة دعامة أساسية للوحدة الوطنية، والانتماء إلى الشرطة حق مكفول لجميع السودانيين دون أي تمييز على أساس العرق، الدين، الجنس، أو الانتماء السياسي، وفق الشروط والمعايير التي تحددها القوانين المنظمة، بما يضمن تكافؤ الفرص وتعزيز التنوع داخل المؤسسة الشرطية.
8. تتمتع الشرطة بحصانة قانونية تكفل حماية منسوبيها أثناء أداء مهامهم، على ألا تُستخدم هذه الحصانة كذريعة للإفلات من المساءلة، وبما يضمن التوازن بين حماية أفراد الشرطة وضمان حقوق المواطنين وسيادة القانون.
9. يكون للشرطة قضاء شرطي ونيابة شرطية، تنظم القوانين تكوينها، وسلطاتها، وصلاحياتها، بما يضمن توفير آليات قضائية عادلة ومستقلة لمعالجة القضايا المتعلقة بمنسوبي الشرطة، مع الحفاظ على الانضباط المؤسسي وحماية حقوق الأفراد.
إن نقاشنا حول النظام القانوني ونظام الحكم في السودان يتجاوز الجوانب النظرية ليتناول متطلبات الحياة اليومية للمواطنين، ويتطلب تفاعلًا حقيقيًا من جميع مكونات المجتمع. تلعب الشرطة، كمؤسسة مسؤولة عن الأمن والنظام، دورًا مركزيًا في بناء الثقة بين الحكومة والمواطنين. في ظل التحديات المتعددة التي يواجهها السودان، من النزاعات المسلحة إلى الأزمات الاقتصادية، من الضروري تعزيز فعالية الشرطة كقوة موثوقة. يتطلب ذلك رؤية مشتركة لتطوير القوانين والسياسات، وتحسين التعليم والتدريب للعاملين في هذا المجال.يجب أن تمتلك الشرطة القدرة على تنفيذ القانون وتلبية احتياجات المجتمع، وتعزيز حقوق الإنسان، مما يستدعي التزامًا جماعيًا نحو توافق وطني. يتعين على المجتمع المدني والحكومة والشرطة والأحزاب السياسية التعاون لضمان مشاركة الجميع في صنع القرار. أيضًا، يتطلب تعزيز الأمن اعتماد آليات لمراقبة أداء الشرطة وزيادة الشفافية، مما يسهم في بناء الثقة بين المواطنين والشرطة ويعزز التلاحم الاجتماعي.
في الختام، يجب أن ندرك أن بناء مجتمع آمن ومستقر ليس مهمة سهلة، بل هو جهد جماعي يتطلب رؤية مشتركة وإرادة قوية. إن الشرط الأساسي لتحقيق هذا الهدف هو فهم عميق لطبيعة التحديات التي تواجه السودان ورغبة صادقة في التغلب عليها، مما يمكّن السودان من النهوض نحو مستقبل أفضل.
17 أكتوبر 2024م


