فريق شرطة(حقوقي) د. الطيب عبدالجليل حسين محمود (المحامي) القاضي عبدالمجيد أمام وضابط الشرطة قرشي فارس اكتوبر 1964م

*«أنا عبد المجيد إمام ، قاضي مديرية الخرطوم، بهذا اأمرك بالانصراف بجنودك فورا».*
هكذا هي رواية النقل عن القاضي عبدالمجيد إمام، كما يرددها العديد من الأكتوبريين 1964م، احتفاء بثورة 21 أكتوبر 1964م. بأنه خرج المحامون والقضاة سيرا في موكب مهيب، يتقدمون جماهير الشعب الذي خرج إلى الشارع، ضد النظام العسكري، في ثورة اكتوبر 1964م، عندما اعترضت قوات الشرطة بقيادة الملازم قرشي فارس الموكب، واطلقت رصاصات تحذيرية في الهواء. وحينها تقدم القاضي عبد المجيد إمام، واصدر امرا بصوت جهور :«أنا عبد المجيد إمام ، قاضي مديرية الخرطوم، بهذا اأمرك بالإنصراف بجنودك فورا».
ويحكى قرشي فارس، إنه لم يكن هناك من هو أسعد منه، وهو يصيح رداً على القاضي الأكتوبري .. «حاضر سعادتك»، وينصرف بجنوده، وكانت تلك هي اللحظات الحاسمة في ثورة اكتوبر 1964م، وفي التاريخ السوداني الحديث. فقد دكت كلمات القاضي الشجاع حائط الرهبة، الذي كانت تقف وراءه سلطة انقلاب نوفمبر العسكري1958م، وأعلت صوت القانون. وكان انصياع ضابط الشرطة قرشي فارس لتعليمات القاضي، تعبيراً عن سيادة حكم القانون. وهكذا كنا، ذاك الزمان.
والتعليق الأولي على ما جاء: اخطأ عبدالمجيد إمام، وأخطأ قرشي فارس(لهما الرحمة)، عندما القاضي عبدالمجيد إمام، بصفته قاضي مديرية الخرطوم، أمر الملازم قرشي فارس، قائد قوة الشرطة المكلفة بفض مسيرة القضاة والمحامين، بسحب الشرطة ومنعها من التصدي للمسيرة. وأخطأ الملازم قرشي فارس، عندما إستجاب لأمر مولانا عبدالمجيد إمام.
تلك هي الرواية الأكتوبرية 1964م المتداوله عن القاضي عبدالمجيد إمام، وضابط الشرطة قرشي فارس(لهما الرحمة). والتي تقول: أن القاضي عبدالمجيد إمام (بصفته وقتها قاضي مديرية الخرطوم)، أصدر أمرا شفويا بنداء جهوري، لضابط الشرطة قرشي فارس(بصفته وقتها قائد على رأس قوة تنظيم وتأمين ومراقبة المظاهرات)، آمرا له، بسحب قوة الشرطة من الشارع العام، وعدم التصدي لمسيرة القضاة والمحامين، التي كانت لأيام الحراك الثوري لثورة 21 أكتوبر 1964م.
والتساؤلات المطروحة، إن كان القاضي عبدالمجيد إمام، صائبا أو مخطئا، بإصداره الأمر لقائد قوة الشرطة الضابط قرشي فارس؟ وإن كان قائد قوة الشرطة قرشي فارس مخطئا أو صائبا، لاستجابته لأمر القاضي عبدالمجيد إمام، بسحب قوة الشرطة، وأمره بعدم التعرض للمتظاهرين؟
وإجابة على التساؤلات المطروحة، واقعة الأمر بسحب القوة وعدم التعرض للمتظاهرين، يجب أن ينظر إليها من حيث، فرضية حقيتها للقائلين بها لنحو ستة عقود، والنظر إليها من حيث القانون المطبق في تاريخ الواقعة (أكتوبر 1964م).
وقبل الحديث عن فرضية حقيقة الواقعة، المعلوم أن القانون المطبق وقتها عام 1964م، هو تشريع قانون الإجراءات الجنائية 1925م المقتبس أصلا من القانون الانجلوسكسوني الانجليزي وقواعد قانون الاجراءات الجنائية الهندي، المطبق في المستعمرات البريطانية. وبوجه خاص، السودان الانجليزي المصري، حيث قانون الإجراءات الجنائية 1899م تعديل 1925م، كان هو القانون السائد، وبما في ذلك قواعد القانون الإنحليزي المدني.
وبشأن إجراءات تنظيم ومراقبة المظاهرات تنظيما لها في قانون الاجراءات الجنائية 1899م تعديل 1925م، لم يكن تختلف كثيرا عن التنظيم المنصوص عليه في مواد القوانين الجنائية 1970م، 1972م، 1974م، 1979م، 1983م، 1991م. سواء من حيث تدابير وإجراءت الإذن بتسيير المظاهرة، تحت حماية وتأمين الشرطة، وتقييد المتظاهرين بشروط الإذن الممنوح للتظاهر للتعبير عن الرأي الجمعي بحق التظاهر. والتقيد بعدم الإخلال بالأمن والسلامة العامة أثناء المظاهرة، وعدم مضايقة الجمهور، وعدم إرتكاب مخالفات أو جرائم، وتقييد المتظاهرين بخط السير المحدد للمظاهرة. وتشكيل قوة الشرطة المعنية المكلفة بتنظيم ومراقبة المظاهرات، وإستخدام القوة وفق القانون، ووجود قاضي أو وكيل نيابة حسب الحال ضمن قوة الشرطة، أو تحوطيا، وجود القائد العسكري في حالة الفوضى ووقوع أحداث الإضطرابات المخلة بالأمن والنظام العام، وعدم قدرة الشرطة في التعامل مع المتظاهرين. ومن ثم، طلب الشرطة تدخل القوة العسكرية من الجيش. وأخيرا، سلطة تقديرات إستخدام السلاح الناري في جميع حالات تدرج إستخدام القوة، بوساطة الشرطة أو القوة العسكرية من الجيش.
وبالتالي، السؤال الذي يطرح نفسه، هل القاضي عبدالمجيد إمام، وقتها كان مكلفا بأن يكون ضمن تشكيل قوة الشرطة التي تحت قيادة ضابط الشرطة قرشي فارس؟ أم حسب الرواية المتداولة منذ 1964م، أن القاضي عبدالمجيد إمام، كان قاضي مديرية الخرطوم، يزاول عمله في مكتبه ساعة مظاهرة القضاة والمحامين؟ أو أن القاضي عبدالمجيد إمام، كان من ضمن المتظاهرين؟
نعود لفرضية حقيقة الواقعة ذاتها(بحسب ذاكرة العقل الشفوي للقائلين بها)، أن مولانا القاضي عبدالمجيد إمام، أصدر أمرا لضابط الشرطة الملازم أول قرشي فارس، يأمره بسحب قوة الشرطة من الشارع العام، وعدم التصدي لمسيرة مظاهرة القضاة والمحامين.
وعن حقيقة هذه الواقعة، برواج بوست متداول بتعليقي عليه، بأن أخطأ القاضي عبدالمجيد إمام وأخطأ ضابط الشرطة قرشي فارس. هاتفيا إتصل علي الأخ الزميل الدكتور/ محمد زين محمد (المحامي)، المقيم حاليا في النرويج أوسلو، وأفاد الآتي: أنه عام 1991م عمل محامي تحت التدريب في مكتب مولانا عبدالمجيد إمام(المحامي) في الخرطوم(عمارة الضرائب)، حيث كان القاضي مولانا عبدالمجيد إمام، قد تقاعد من وظيفة القضاء في السلطة القضائية، وعمل في مهنة المحاماة. ولاحقا دكتور محمد زين، بعد ما أكمل فترة التدريب محاميا تحت التدريب، وتدشينه محاميا، وحصوله على رخصة المحاماة، دكتور محمد زين، عمل محاميا في مكتب مولانا عبدالمجيد إمام. وأنه، وبناء على طلب مولانا عبدالمجيد إمام، دكتور محمد زين، صار شريكا مع مولانا عبدالمجيد إمام في مكتب المحاماة.
ويفيد دكتور محمد زين محمد، أنه، سأل مولانا عبدالمجيد إمام عن تدخله بأمر شفوي ندائي جهوري لضابط الشرطة قرشي فارس، قائد قوة الشرطة المكلفة بمنع التظاهرات في الخرطوم، وأمره بسحب قوة الشرطة، وعدم التعرض لمسيرة مظاهرة القضاة والمحامين.
وأنه، وبحسب إفادة مولانا عبدالمجيد إمام للزميل دكتور محمد زين، أن مولانا عبدالمجيد إمام، ساعة مظاهرة القضاة والمحامين والمهنيين كان في مكتبه الطابق الثاني، وشباك مكتبه يطل على الشارع العام، وأثناء تواجده في مكتبه، سمع اصوات المتظاهرين، وسمع نداءات تحذيرية من مكرفون تنبه وتمنع المتظاهرين من مواصلة السير، والمتكلم في المكرفون يأمر المتظاهرين بالتفرق وعدم التجمهر، وبعدها بقليل، القاضي عبدالمجيد إمام، سمع طلقات نار تحذيرية، وهنا قام مولانا عبدالمجيد إمام من مقعد مكتبه منزعجا ومهرولاً بالقميص والبنطلون وربطة العنق دون جاكيت البدله، التي تركها معلقة على مقعده في المكتب، ووقف أمام قوة الشرطة، ودون أي أمر شفاهي ندائي، وبصورة شخصية، طلب من قائد القوة قرشي فارس، عدم إطلاق النار على المتظاهرين، واستجاب ضابط الشرطة قرشي فارس، لطلب القاضي عبدالمجيد إمام.
ويفيد عبدالمجيد إمام، أن ضابط الشرطة قرشي فارس، وقف أمامه مؤديا التحية العسكريه، قائلا ما معناه، يا مولانا إنت ما عرفتني، وأجاب القاضي عبدالمجيد أمام، بلا، لا أعرفك. وهنا ضابط الشرطة قرشي فارس، قال للقاضي عبدالمجيد إمام، أنا طالب معاك في كلية الحقوق جامعة القاهرة فرع الخرطوم، وتصافحا تبادلا للتحية، وغادر القاضي عبدالمجيد إمام إلى حيث مكتبه. ومؤكدا مولانا عبدالمجيد إمام، أن ما دار من حديث بينه وضابط الشرطة قرشي فارس، لم يكن سوى علاقة طالب مع أستاذه في الجامعة، حيث كان عبدالمجيد إمام محاضر في كلية الحقوق جامعة القاهرة فرع الخرطوم، وقرشي فارس طالب في ذات الجامعة في كلية الحقوق.
وباسقاط حقائق الواقعة والقانون كما يروج له نحو ستين سنه، نجد أن القاضي عبدالمجيد إمام، بصفته قاضي مديريه الخرطوم، لم يتدخل بأمر قضائي شفوى ندائي جهوري، بأنه أمر ضابط الشرطة قرشي فارس، بسحب قوة الشرطة من الشارع العام، وأنه أمر بمنع الشرطة من التصدي لمسيرة مظاهرة القضاة والمحامين في أكتوبر 1964م. وإلا عُد ذلك مخالفة صريحة للقانون من قاضي مهني عالم فقيه، ولاسيما، تقديرات حفظ الأمن والنظام العام، أنها سلطة تقديرية من إطلاقيات اختصاصات السلطة التنفيذية، وأنها سلطة لا معقب عليها من القضاء، لطالما كانت التدابير الاجرائية تمت وفق القانون. وأنه ليس لمحاكم وقضاة السلطة القضائية، من تلقاء أنفسهم، التدخل في أعمال السلطة التنفيذية. إلا بناء على طلب مكتوب محرر من جهة ذات مصلحة شخصيه، ليقرر القضاء في الطلب تطبيقا وتفسيرا للقانون.
فريق شرطة(حقوقي)
د. الطيب عبدالجليل حسين محمود
(المحامي)
27 اكتوبر 2024م


