عميد شرطة (م) عمر محمد عثمان يكتب الكتابة في زمن الحرب

يقول فرناندو بيسوا: “الكتابة هي أن يزور المرء نفسه.” هذه العبارة تختصر علاقة الكاتب بالقلم، حيث تتحول الكتابة إلى مرآة يرى فيها الإنسان ملامحه الحقيقية، بكل ما تحمله من ألم وأمل. واليوم، وسط الحرب التي يعيشها السودان ضد مليشيا الدعم السريع المتمردة، تصبح الكتابة أكثر من مجرد كلمات تُسطر على الورق؛ إنها فعل مقاومة، وصرخة توثّق الحقيقة، وجسر يصل بين الماضي والمستقبل.
في زمن الحرب، تصبح الكتابة سلاحًا لا يقل أهمية عن البندقية، لكنها سلاح يواجه التزييف بالدليل، ويقاوم النسيان بالتوثيق. فالكلمة الصادقة تعيد ترتيب الأحداث كما جرت، بعيدًا عن التشويه الذي تحاول المليشيا تمريره عبر دعايتها المضللة. الكتابة في هذا السياق ليست رفاهية، بل مسؤولية، لأنها تضمن أن تبقى الحقيقة حية، محفوظة للأجيال القادمة، حتى لا يضيع الوطن في زحام الأكاذيب.
لكن الكتابة ليست مجرد تأريخ للحرب، بل هي أيضًا رحلة شخصية، يسبر فيها الإنسان أغوار نفسه وهو يواجه أعتى الظروف. في السودان اليوم، حيث فقد كثيرون منازلهم وأحباءهم، تصبح الكتابة مساحة للبوح، وطريقة لاستعادة الذات وسط الخراب. إنها طريقة لنقول للعالم: ما زلنا هنا، ما زلنا نرى، وما زلنا نحلم بسودان يليق بنا.
الكتابة كذلك استشراف للمستقبل، وتخطيط لما يجب أن يكون. لا نكتب فقط عن الدماء التي سالت، ولا عن المدن التي دُمرت، بل نكتب أيضًا عن السودان الذي نحلم به بعد الحرب، السودان الذي يستعيد مؤسساته، ويعيد بناء جيشه الوطني، ويضمن سيادة القانون. الكتابة تفتح الأبواب نحو الغد، وتصنع خريطة للوطن كما ينبغي أن يكون، وليس كما أراد له المتمردون أن يكون.
بالنسبة لنا كضباط شرطة متقاعدين، تحمل الكتابة بُعدًا إضافيًا، فهي ليست فقط تأريخًا للحاضر، بل امتداد لدورنا في حماية الوطن. نحن الذين خدمنا في ميادين الأمن وحماية القانون، نجد في الكتابة اليوم وسيلة أخرى للدفاع عن السودان، عبر كشف الحقائق، ودحض الأكاذيب، ونقل خبراتنا للأجيال الجديدة. إنها فرصة لنعيد قراءة تجاربنا، ونوجه رسالة لمن سيحملون الراية بعدنا، بأن الوطن لا يُحمى بالسلاح وحده، بل بالوعي، والإخلاص، والقدرة على رؤية الصورة كاملة.
في النهاية، الكتابة ليست مجرد كلمات تُقال، بل هي موقف، وذاكرة، ووسيلة لاستعادة التوازن في عالم يموج بالفوضى. إنها فعل بقاء، يضمن أن يظل السودان حاضرًا في وجدان أبنائه، حتى في أحلك اللحظات. فالكلمة، وإن بدت أضعف من الرصاص، تظل الأكثر قدرة على الصمود، لأنها لا تموت بانتهاء الحرب، بل تبقى، شاهدة وحارسة، حتى يُبعث الوطن من جديد.
عميد شرطة (م)
عمر محمد عثمان
١٨ مارس ٢٠٢٥م


