د. عبد الرحيم حاج الامين يكتب المنطق المسلح: حين تصبح السلطة في السودان رهينة السلاح!؟

لم يكن إعلان محمد سيداحمد (الجاكومي) السياسي السوداني عن رغبته في تشكيل ميليشيا جديدة منتقاة بصورة عنصرية من أبناء مسار الوسط حدثًا عابرًا أو مجرد انفعال سياسي طارئ؛ بل هو تجسيد صارخ لمنطق مختل بات يحكم الواقع السوداني: السلطة لمن يحمل السلاح. وهو منطق يجد سنده – للأسف – في واقع سياسي مأزوم، انهارت فيه مرجعيات الدولة، وتحوّل فيه النضال المدني إلى عبث لا يُؤبه له ما لم يرفده “بندقية”.
إن التساؤل عما إذا كان منطق الجاكومي سليمًا ليس ترفًا فكريًا، بل هو ضرورة تحليلية لفهم التحولات العميقة في بنية الصراع السياسي السوداني. فحين ينظر الرجل إلى واقع بلاده، يرى – كغيره – أن السلطة في السودان لا تُمنح عبر البرامج السياسية أو الانتخابات النزيهة أو شرعية الجماهير، بل تُنتزع انتزاعًا بقوة السلاح. وهذا ليس تحليلاً نظريًا، بل واقع تجسّد في أكثر من مثال: فحركات دارفور التي حملت السلاح، جلست على طاولة السلطة؛ بينما القوى المدنية، التي التزمت الوسائل السلمية، ظلت تطرق أبوابًا موصدة بلا جدوى.
اليوم بالسودان العشرات من الحركات المسلحة التي توالدت من ارحام مختلفة بدأت بدارفور انطلقت في الشرق كردفان والوسط والشمالية!
يعتبر تصريح الرئيس المعزول عمر البشير – وهو في لحظة نشوة سلطوية – يلخص الأمر حين قال: “نحن أخذناها بالبندقية والداير يقلعنا يجيب بندقيته”. بهذه العبارة اختُزل منطق الحكم، وتم تدشين مرحلة استثنائية في تاريخ السودان، حيث أصبح حمل السلاح هو الطريق الأقصر – وربما الوحيد – للوصول إلى السلطة أو انتزاع الحقوق.
من هنا، لم يكن غريبًا أن يسير الجاكومي في هذا الاتجاه، مستندًا إلى منطق الدولة ذاتها، التي لم تعد تعترف إلا بالأقوياء المسلحين. وبدلاً من أن تُفكك الدولة الميليشيات، أصبحت تُكرّمها، وتدمجها في السلطة، بل وتفاوضها على مستقبل البلاد. وهكذا، أصبح تشكيل ميليشيا خاصة خيارًا “عقلانيًا” في بيئة سياسية مجنونة.
الأخطر من ذلك، أن هذه المعادلة بدأت تُغري حتى القوى المدنية، التي صمدت طويلًا على درب السلمية، لكنها وجدت نفسها معزولة وضعيفة، بينما تتقاسم الميليشيات السلطة والثروة. لذلك، بدأ بعض السياسيين المدنيين في الاتجاه نحو تشكيل أجنحة مسلحة، ضمن تحالفات مشوهة تجمع بين بقايا الأحزاب المدنية و”حركات كفاح” مسلح، تسلّلت إلى مفاصل الدولة تحت لافتة “السلام”.
منطق الجاكومي ليس خيالًا سياسيًا مريضًا، بل هو قراءة واقعية – وإن كانت خطيرة – لمعادلة السلطة في السودان. وهو أيضًا مؤشر على تحوّل بالغ الخطورة: تحوّل القوى المدنية نفسها نحو التسلّح، وهو ما ينذر بجرف البلاد نحو هاوية التجييش الكامل، وتحويل المجتمع المدني إلى ساحة مواجهة شاملة، لا صوت فيها يعلو فوق صوت البندقية.
إننا اليوم أمام مفترق طرق تاريخي: فإما أن نستعيد منطق الدولة المدنية، القائمة على الحق، والقانون، والتداول السلمي للسلطة؛ أو نستسلم لمنطق الغابة، حيث يحكم من يحمل السلاح، وتُداس الحقوق تحت أقدام الميليشيات.
فهل تعي القوى الوطنية حجم الخطر؟ أم أن القطار قد غادر المحطة؟
الله غالب.
✒️ *د.عبدالرحيم حاج الأمين*


