أعمدة الرأي

د.عبدالرحيم حاج الأمين يكتب القيود الزمنية للكشف عن المستندات الرسمية في القانون السوداني: بين غياب الشفافية وتضارب التشريعات

 

📝 تمهيد:-

في ظلّ التحوّلات السياسية والتشريعية التي يشهدها السودان، تبرز الحاجة الملحّة إلى تنظيم مسألة الكشف عن المستندات الرسمية، ولا سيّما تلك المتعلقة بالشأن العام، والحقوق القانونية، والرقابة المؤسسية.

ورغم أهمية الحق في الوصول إلى المعلومات، إلا أن الواقع القانوني يكشف عن تضاربٍ بين القوانين، وغيابِ تشريعٍ صريحٍ وفعّال يضمن هذا الحقّ ويُمارس على أرض الواقع.

1️⃣ أولًا:- غياب التطبيق الفعلي لقانون حرية المعلومات لسنة 2015

رغم صدور قانون حق الحصول على المعلومات لسنة 2015، إلا أن هذا القانون لم يُفعّل بصورة عملية حتى الآن.

وقد نصّ في مادته (12) على استثناءات واسعة من الكشف، منها:-

الأسرار والوثائق المحمية بموجب أي تشريع آخر،

الوثائق المصنّفة على أنها سرية ومحمية، والتي تم الحصول عليها باتفاق مع دولة أخرى،

المعلومات المتعلقة بالدفاع الوطني، أمن الدولة، أو سياستها الخارجية، والتي لم يمضِ عليها خمسون عامًا.

ورغم ما يبدو من اتساق هذه الاستثناءات مع مقتضيات السيادة والأمن القومي، إلا أن غياب نصوص رقابية فعالة، وعدم وجود آلية طعن قضائية مستقلة، يفرغ الحق في الحصول على المعلومات من مضمونه.

2️⃣ ثانيًا:-إفشاء المعلومات العسكرية والأمنية في القانون الجنائي لسنة 1991

جاءت المادة (56) من القانون الجنائي لتُجرّم إفشاء المعلومات المتعلقة بالشؤون العسكرية، حيث نصّت على معاقبة من يُفشي معلومات يعلم أنها تضر بمصلحة البلاد، بالسجن أو الغرامة.

كما نصّت المادة (57) على عقوبات ضد من يصوّر أو يرسم أو يدخل منطقة عسكرية دون إذن، أو يوجد على مقربة منها وهو يحمل أجهزة تصوير دون مبرر مشروع.

3️⃣ ثالثًا:- حماية السرية الرسمية في قانون الإثبات لسنة 1994

تنص المادة (25) من قانون الإثبات على أن شهادة المكلّف بالخدمة العامة لا تُقبل بشأن المعلومات السرية التي حصل عليها أثناء عمله، إلا بإذن الجهة المختصة أو إذا رأت المحكمة أن المصلحة العامة لن تتضرر.

4️⃣ رابعًا:- واجب الكتمان في قانون الشرطة لسنة 2008

نصّت المادة (14)(4) من قانون الشرطة على التزام أفراد الشرطة بكتمان المعلومات السرية، سواء أثناء الخدمة أو بعدها، ومنعهم من الاحتفاظ أو نزع أي مستند رسمي حتى لو كان يتعلق بعملٍ كلّفوا به.

5️⃣ خامسًا:- المسؤولية المدنية عن الأضرار الوظيفية في قانون المعاملات المدنية

تشير المادة (162) من قانون المعاملات المدنية إلى المسؤولية القانونية عن الأضرار الناتجة عن الأفعال المهنية، بما في ذلك تسريب أو إساءة استخدام المستندات الرسمية.

🧩 خاتمة:

تُظهر المنظومة القانونية السودانية – رغم تناثر النصوص التي تنظم حفظ السرية – قصورًا واضحًا في جانب ضمان حق الوصول إلى المعلومات، سواء من حيث وجود قانون عصري وفعال، أو من حيث تحديد قيود زمنية للكشف عن المستندات، كما هو معمول به في الدول الديمقراطية.

ويُعد قانون 2015، على أهميته، غير مفعّل فعليًا، مما يجعل الحق في المعرفة أقرب إلى النصوص المجمدة منه إلى الواقع القانوني الحي.

إن الإصلاح التشريعي في هذا المجال ضرورة وطنية، لا بد أن تستند إلى مبدأ ⚖️ توازن المصالح بين سرية الدولة وحق المواطن في المعرفة، مع إرساء آليات رقابة مستقلة على قرارات الحجب والسرية.

*د.عبدالرحيم حاج الأمين*

القاهرة 17 /يونيو/ 2025

زر الذهاب إلى الأعلى