أعمدة الرأي

وهج الفكرة د . أنس الماحي يكتب حين يترجّل الفارس ويبقى أثره السفير عبدالله الأزرق

 

لقد سقط قلمٌ كان أصدق من دمعة يتيم ، وأقسى من ريح الصحراء على وجه المتسلقين ، رحل السفير عبد الله الأزرق ، ولكن هل يموت من ترك سطوره كالخنجر في خاصرة الزيف؟ هل يغيب من جعل من مقاله منبراً يزلزل عروش التزوير ..؟

 

رحل عن عالمنا السفير عبدالله الأزرق، وترجّل القلم الحر، وسكت صوت الصدق في زمنٍ تكاثرت فيه الضوضاء وتكاثرت الأقلام المأجورة لكن بقي الأثر ، وبقيت الكلمة النبيلة التي خطّها بقلبٍ صادق وعقلٍ راجح، شاهدة على رجلٍ لم يُجامل ولم يساوم ، ولم يركع لغير الوطن.

 

إنه الأزرق لا كأي دبلوماسي، بل مدرسة قائمة بذاتها، جمعت بين لياقة الدبلوماسي، وحدّة المفكر وشرف الوطني لم تكن كتاباته مقالات عابرة، بل مواقف مُوقّعة بالحبر النظيف، خالية من المساحيق، تفيض حكمة وشجاعة، كتب عن فلسطين فأنصفها، وعن الغرب فعرّاهم، وعن السودان فاحتضنه بين السطور، كما لم يفعل غيره من أبناء المؤسسة الرسمية.

 

كان الأزرق يدرك جيداً أن منصبه ليس غاية، بل وسيلة ليكون أقرب إلى الناس، إلى نبض الشارع، إلى قضايا الوطن، ولذلك لم يرتضِ أن يكون صوتاً للسلطة، بل ضميرًا ناطقًا باسم الوطن الجريح.

في إسطنبول، لم يكن سفيرًا فقط، بل كان بيتًا مفتوحًا للسودانيين بكل أطيافهم جمع المختلفين، ورتّق شقوق السياسة بلغة العقل والمحبة، وحين تكالبت الأيام، قاوم المرض بأدب النبلاء، يكتب بدمه إن لزم الأمر، دون أن يشكو، أو يُثقل أحدًا بهمّه كان كبيرًا، في حضوره وغيابه، في كتاباته وصمته، في صراحته وابتسامته.

 

رحل عبدالله الأزرق، لكنّ روحه لن ترحل، ستظل حاضرة في كل فكرة حرة، في كل موقف شجاع، وفي كل مقال لا يخشى في الحق لومة لائم سيبقى حيًّا في مقالاته “غزة تنشر الإسلام في الغرب”، و”المعقول واللامعقول في العلاقات الدبلوماسية”، وفي صرخاته المدوية عن خيانة بعض الدول الكبرى لقضية السودان.

 

لم يكن الأزرق يميل حيث تميل المصالح، بل حيث يميل الضمير لذلك كسب حب الناس وخسر نفاق الساسة، وهذا هو المجد الحقيقي الذي لا يُمنح، بل يُنتزع بأمانة الكلمة ونظافة اليد ..فلترقد في سلام يا من رفعت راية الشرف في حقلٍ قلّ فيه الشرفاء.

 

وداعًا عبدالله الأزرق… وداعًا يا نَفَسَ السودان النقيّ في زمن الدخان الأسود .. قد رحلت عنا جسداً لكن روحك ستظل تحوم حول كل قلم حر، وذكراك ستقف شامخة أمام كل منبر مزيف، إرثك الفكري سيكون مدرسة للأجيال .. وداعاً أيها السيف الذي لم يُغمدْ ..وداعاً أيها الصوت الذي لن يصمتْ .. وداعاً أيها الأزرق في زمن الشحوب.

زر الذهاب إلى الأعلى