السفير.د.معاوية التوم يكتب مريخ السودان: العودة المرجوة بين التحديات، رهان القيادة، وصنع العبقرية

✦ تمهيد:
هذه مبادرة لفكرة تعتملني والمريخ يعيش هذا المخاض من تاريخه وكتابه ، وإسقاطات الواقع تغطي كل بارقة أمل، والبلد غارقة في زحام العواصف والحرب التي تضرب السودان سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا، تلوح قلاع الرياضة كمنافذ للأمل والنجاة، لا سيما عندما يكون الحديث عن نادي المريخ السوداني، هذا الصرح الذي لم يكن يومًا مجرد نادٍ لكرة القدم، بل تحول إلى رمز وطني، وفضاء تعبيري عن الروح السودانية في أزهاها وأحلكها. يضج بالأسماء والمعاني والأحاجي والبطولات ، وتتنازعه الأعاصير للتغير والنهضة.
ورغم ما يشهده النادي من أزمات متكررة، تتجدد الأسئلة حول العودة المرتقبة: كيف؟ ومتى؟ وعلى أي أكتاف؟ وهل بمقدور المريخ أن يُعيد اختراع ذاته في زمن الانهيار الشامل والتفكيك الكامل؟
✦ أولًا: مريخ السودان… ذاكرة وطن لا تموت
لم يكن تأسيس المريخ عام 1908 محض خطوة رياضية. بل كان امتدادًا لحراك وطني ومجتمعي يرى في الرياضة أداة للتحرر والوعي والتماسك. ومنذ لحظة انطلاقه، رافق النادي مراحل تشكل الدولة السودانية، فصار عنوانًا للانتماء والكرامة والتفوق والتميز .
من الإنجازات القارية إلى المعارك المحلية، من مدرجات “أم درمان” إلى عواصم القارة، ظل المريخ رقماً حاضرًا في الوجدان، ومرآةً لِما هو أبعد من اللعبة: النَّفَس الجمعي، التحدي، والكرامة السودانية والعزة الأباء وقلعة حمراء.
✦ ثانيًا: ما المقصود بالعودة المرجوة؟
حين يُقال “عودة المريخ”، لا يُقصد بها فقط العودة لمنصات التتويج، بل إلى المكانة التي تليق به في كافة المستويات:
• مؤسسيًا: كنادٍ يُدار باحتراف، وبنيته التنظيمية تحترم القانون والمعايير الحديثة.
• رياضيًا: عبر أداء مستقر، ومدرسة كروية تصنع المواهب الوطنية ولا تستوردها فقط وتنشد الريادة وتصنعها.
• مجتمعيًا: باستعادة دوره كرافعة مجتمعية للوعي، وفضاء للحوار الوطني والإسناد الجماهيري.
إنها عودة إلى النسخة المتفوقة من المريخ، لا مجرد استعادة ذكريات وتاريخ.
✦ ثالثًا: التحديات التي تعرقل المسار
1. إدارية وتنظيمية
• تعدد مراكز القرار داخل النادي.
• غياب خارطة طريق واضحة.
• ضعف استقلالية اللجان التنفيذية وخضوعها للاستقطاب المقيت .
2. مالية واستثمارية
• غياب التمويل المستدام.
• الاعتماد على الشحّ الجماهيري أو الأفراد.
⁃ غياب المرجعية والمواكبة والتطور.
3. فنية وتدريبية
• ضعف البنية التحتية (ملاعب – أكاديميات).
• غياب منهجية واضحة في التعاقدات.
⁃ التدريب الحديث والاحترافية.
4. وطنية/سياسية
• الحرب أثرت على المنظومة الرياضية بالكامل.
• تآكل الدور القومي للمؤسسات الكبرى، ومنها المريخ.
✦ رابعًا: رهان القيادة بين العجز والتحول
منذ سنوات، ظل النادي يترنح تحت صراعات داخلية لا تنتهي، تُستنزف فيها الطاقات دون مشروع حقيقي، والكيد والتدابر أضاع النادي وعراقته.
الرهان اليوم، أكثر من أي وقت مضى، على قيادة جماعية الروح فاعلة الإرادة تملك:
• رؤية متكاملة لا تجزئ الأزمات، بل تعالجها في سياقها الشامل.
• شرعية جماهيرية لا تفرض ذاتها، بل تُنتخب وتُحاسب.
• كفاءة مؤسسية تُعيد للمريخ مكانته كنادٍ كبير يديره محترفون، لا أفراد.
فبدون قيادة تستلهم العبقرية المريخية وتؤطرها، لا معنى لأي نهوض دون مدرج راسي.
✦ خامسًا: صناعة العبقرية… بين الموهبة والتخطيط
المريخ كان دومًا موئل المبدعين: من اللاعبين إلى المشجعين، ومن الإعلاميين إلى رموز الوطنية، ومن المواهب الي المبدعين.
لكن العبقرية لا تنمو وحدها، ولا تُورّث بالعاطفة.
• هل نمتلك خطة لاكتشاف المواهب في الأقاليم؟
• هل توجد رؤية لأكاديمية حقيقية تُنافس إقليميًا؟
• هل نؤمن بأن كرة القدم اليوم صناعة احترافية متكاملة؟
الإجابة على هذه الأسئلة تُحدد ما إذا كنا نُريد “عبقرية فردية” عابرة، أم “عبقرية مؤسسات” تُراكم وتبني، ومنظومة ادارة ملهمة.
✦ خاتمة: نحو مشروع نهضوي مريخي
قد يكون الحديث عن عودة المريخ في خضم حرب وطنية ضربت كل شيء نوعًا من الحلم.
لكن التاريخ يُخبرنا أن الشعوب تصنع مجدها في لحظات الانكسار، وأن النهوض يبدأ من المساحات التي لم تُحتل بعد: الذاكرة، الجماهير، والإرادة، وعبق التاريخ المحفز .
إن المريخ، بتركيبته الفريدة، ليس مجرد نادٍ. هو مشروع وطني مصغر يمكن أن يُلهم فكرة الدولة التي نريد: دولة مؤسسات، قيادة مسؤولة، ومجتمع واعٍ يُراهن على المستقبل ويصنع كتابه من خلف هذا السفر الممتد والرصيد الوافر .
فهل نفعل؟
الأمر ليس ترفًا ولا رفاهية، بل تحدٍ لكرامتنا الرياضية ووعد لجماهيرنا بأن المريخ سيعود أقوى مما كان. هي لحظة لنجعل من الشغف مشروعًا، ومن الانتماء قوة عمل، ومن الذكريات دافعًا لصناعة مستقبل يليق بتاريخ هذا الكيان. فلنُطلق العنان للإرادة، ولنجعل المستحيل ممكنًا، ولنمضِ جميعًا – قيادةً وجماهير – نحو صناعة العبقرية المريخية من جديد. يجب لا نترك هذا المشروع النهضوي الحلم لارادة القدريات التي تحكم الواقع الرياضي الان، ولا أهواء الساسة والنافذين لفرض رؤية لا تملك مفاتح الاختراق والنجاح، ويدها في التعقيد واجترار الأزمات إن لم يكن بيع الفشل المحض!؟
✦ هوامش الخطى المستقبلية:
يمكن دعم هذا الطرح بالاستناد إلى دراسات الحوكمة الرياضية في إفريقيا التي تبرز أهمية الشفافية والاستقلالية المؤسسية في نجاح الأندية، مع الإشارة إلى تجارب ناجحة مثل الأهلي المصري وصن داونز الجنوب إفريقي كنماذج لإدارة محترفة تجمع بين الاستثمار الرياضي والالتزام المجتمعي، إضافةً إلى تطبيق مؤشرات الأداء المؤسسي لقياس التقدم، بما يشمل الحوكمة، الاستدامة المالية، والفنية تنمية المواهب، والتأثير .
⸻
٨ اغسطس ٢٠٢٥م


