أعمدة الرأي

أُسَيْدِياتُ الثُلاثاء عثمان الشيخ الأُسَيْد يكتب رجالٌ ونساءٌ لم تسمعْ بهم على الأرجح (1)

 

سألني يوسفُ: لماذا قلتَ لم تسمع (بهم) ولم تقل لم تسمع( بهنَّ)لماذا جمعتهم على الذكور و أنت تتكلم عن الذكور والإناث معًا، من سمح لك بذلك؟

قلت له: لُغويًا، يُغلَّب المذكرُ على المؤنث في الجمع المختلط، أي إذا كان الجمعُ ذكورًا واناثًا، يغلب الجمع على المذكر. ثم سألني: ولماذا يغلب المذكر على المؤنث في الجمع المختلط؟ هل لأنَّ واضعَ علم النحو الذي اسمه (ظالم بن عمرو الدؤلي) المعروف بأبي الأسود الدؤلي لانه مذكر؟ وهل(ظالم) هذا يحمل من اسمه نصيبًا؟ فظلم النساء؟

قلت: بالطبع ..لا… ليس كذلك، ولكن غلبة المذكر على المؤنث في الجمع المختلط هو أسلوبٌ قراني، كما أنه ليس شرطًا أن يحملَ كلُ إنسانٍ من اسمه نصيبًا، فأنت اسمُك يوسف، وليس لك من جمالِ يوسف عليه السلام نصيب، قال: ولكني أحمل من اسمِه اشياءَ أخرى غير الحسن والجمال، ثم قال: المهم ما هو دليلك من القرآن على أن المذكرَ يغلبُ على المؤنث في الجمع، حسب قولك أنه أسلوبٌ قرآني؟

قلت دليلي في سورة الأحزاب آية رقم 33 قال الله تعالى: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا) آل البيت هم أقاربِ النبي محمد صلى الله عليه وسلم، إختلفت الاقوالُ في تحديدهم بشكل دقيق، ولكن الجميع متفقون على أنهم من الذكور والإناث، وبما أن كلمة “أهل البيت” تشمل الرسولَ صلى الله عليه وسلم، وهو المذكر، فقد قال اللهُ (عنكم) ولم يقل (عنكنَّ) وفي سياق آية التطهير، قال تعالى يطهركم ولم يقل يطهركن.. قال يوسف عبارته المعروفة (سبحان المعبود!) ثم طلب مني أن اذكرَ له واحدةً من النساءِ اللاتي لم نسمع بهن، قلت له: لماذا بدأت بالنساء قبل الرجال؟ قال لأن الأسلوب القراني قدَّم النساءَ على الرجال، ثم أضاف قائلا: هل تعتقد أن ليس هناك أحدٌ غيرُك يستدلُ بالقرآن؟ كلنا مسلمون، والحمدالله.. قلت: ولكن أنا دائما آتي بالدليل. قال: وأنا- ايضا- عندي الدليل من القرآن، قلتُ له: هات ما عندك، فقال: قال تعالى في سورة الشورى آيــة رقـــــم 49: (يهب لمن يشاءُ إناثًا ويهبُ لمن يشاء الذكور) أليس هذ تقديم واضح للإناث على الذكور؟ قلت: نعم ولكنه ذكر نساء (نكرة) وعرّف الرجال بلام التعريف فقال( الذكور) والتأخير بالتعريف أشرف من التقديم بالنكرة، قال يوسف: المهم أنه- سبحانه وتعالى- قدَّم النساء على الرجال فلا تكثر الحديث معي وهات ما عندك من نساء لم نسمع بهن.. قلت له: سوف أعطيك امرأةً من القرآن الكريم جاءت في سورة النحل الاية رقم 92 (وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا) قال يوسف: من هي التي نقضت غزلها؟ قد سمعت هذه الآية آلاف المرات، ولكنني لم أفكر يومًا في من هي تلك التي نقضت غزلها، وما قصتها. قلت: وكذلك سمعنا آلاف المرات بأم موسى ولم نفكر يومًا من هي وما اسمها؟ قلت له: أما ناقضةُ الغزل التي ذُكرت في القرآن الكريم، فأسمها ريطة بنت عمرو (ناقضة الغزل) ريطة الحمقاء وقصتها كالتالي: قاطعني يوسف قائلا: لحظة من فضلك، من هي أمُ موسى عليه السلام؟ قلتُ له: إسمها يوكابد بنت لاوي، وقصتُها معروفة، وسوف نعرف من هي المجادلة ومن هي الممتحنة ومن هو الذي انسلخ عن آياتنا ومن هو الذي جاء من أقصى المدينة يسعى و بنات لوط المذكورات في الاية 78من سورة هود(قال يا قوم هؤلاء بناتي) من هنَّ وما اسماؤهنَّ، ومن هي التي جاءت تمشي على استحياء نحو موسى عليه السلام، ومن هو ابنُ الهرمة ومن هو ابنُ الرمة.. ولكن دعنا الآن مع ريطة الحمقاء .. لم تكن ريطة ذاتَ حظٓ وافرٍ من الجمال، إضافة إلى ذلك كان بيتُهم بيتَ شركٍ، وأزيدك من الشعر بيتًا: كانت أسرة ريطة- التي تتكون من الأم والأب- أسرةً ذات أفق محدود، لم يفكر الأب في البحث عن فتىً مناسب لابنته، ولم تسعَ الأمُ إلى تزيينها ومرافقتها معها للمناسبات، ليراها الناس. سالتُ يوسف: هل أنت متابع معي؟ قال: نعم معك، لكن ما علاقة ذلك ونقض الغزل؟ قلت له: إصبر، ولا تسبق الاحداث.. ثم مات ابوها وترك ثروةً ضخمةً، ولكن هذه الثروة الضخمة لم تغرِ الخُطّاب من الشباب للتقدم إلى خِطبتها، لأنها كانت دميمة. قلت ليوسف: ما رايك نخطبها لك؟ قال: وما ذنبي حتى أتزوج واحدةً دميمة ومشركة؟ قلت له: ولكن عندها مالٌ وفير، أما سمعت قولهم في المال:

إن الدراهم في المواطن كلها..

تكسو الرجالَ مهابةً وجمالا..

فهي اللسان لمن أراد فصاحةً..

وهي السلاحُ لمن أراد قتالا..

قال يوسف: أما، أنا فلا أريد فصاحةً ولا ممن يريدون قتالا.. قلت له: غيرك كان أشطر، فهناك من تراه قد مالَ إلى من عنده المالَ، إنه ابنُ خالتها، شابٌ في العشرين من عمره.. إسمع قصتَه معها: جاءت به أمه لتخبرَ أختها أن أبنها جاء لخطبة ريطة، التي تبلغ ضعف عمره تقريبا، وعلمت الأم أنهما طامعين في ثروة ابنتها، لذلك ترددت وأصبحت تماطل في الإجابة حتى مرضت مرضا شديدا فماتت قال يوسف: من التي ماتت؟ ريطة؟ قلت: لا ياخي، أمُها هي التي ماتت، لو ماتت ريطة لخلصت القصة وانتهى المقال وارتاح القراء.

ماتت الأم وتركت إبنتَها وحيدةً أمام مطامع الخالة وابنها، وأصبحت ريطة لا أم لها ولا أب، مع أموال طائلة مع الطامعين فيه، فأسرع ابنُ الخالة بزواج ريطة بنت خالته.. ثم ماذا تتوقع يا يوسف؟ قال: أتوقع أن يكونَ قد اشترى مغزلًا وجعلها تغزل فيه.. ضحكتُ وقلتُ له: أنت رجل على نياتك، ليته فعل ذلك، ولكنه أخذ بعض من الأموال واختفى إلى الأبد فقال يوسف: لا حولَ ولا قوةَ إلا بالله، هذه لو كانت مسلمة لقلنا سيعوضها الله الجنة، ولكنها الآن فقدت الدنيا والآخرة، قلت فأصابها الإحباط واليأس والإكتئاب، ولكي تشغل نفسها وتزيل عنها هذه المشاعر، قررت أن تغزلَ الصوف، فأمسكت تغزل مغزل الصوف الذي ورثته من والدتها وظلت تغزل وتغزل حتى تكاد أن تكملَ نسيجَ ثوبٍ كاملٍ، فتتذكر أنها لا زوج لها يرتدي ما تغزله ولا ولد لها يلبس ما تفعله وهي ليست في حاجة إلى المال كي تبيع ما تغزله فتنقض كل ما غزلت. ثم إنها وجدت في هذا العمل(الغزل ونقض ما غزلت) وجدت فيه تسليةً، فقررت أن تُحضر الفتيات ليساعدنها في غزل الصوف وهي تغزل معهم من الصبح وحتى الغروب، ثم تنقض ما غزلت، وتأمر الفتيات أن ينقضن ما غزلن كذلك فأصبحت هذه القصةُ مثلًا للذين ينقضون عهودَهم بعد إبرامها. وقد حذَّرنا القرآنُ الكريم من تمكُّنِ اليأسِ من أنفسِنا، وينهانا أن نكونَ مثلَ ريطةِ الحمقاء، فيقول تعالى: (ولا تكونوا كالتي نقضت غزلَها من بعدِ قوةٍ أنكاثا)

والله أعلى وأعلم..

16 سبتمبر 2025م

زر الذهاب إلى الأعلى