أعمدة الرأي

في ظل الرقراق خليل فتحي خليل يكتب ( عودة وافدي الحرب إلى مدنهم وقراهم بين صدمة الأمس وأمل الغد) 

 

في السودان، تعود اليوم آلاف الأسر من مخيمات النزوح واللجوء إلى مدنهم وقراهم، حاملين معهم حقائب صغيرة من الأمتعة، لكن بداخلهم أوزانًا أثقل بكثير: ذكريات الخوف، وأصوات القذائف، وصور منازل مهدمة وطرقات كانت يومًا تضج بالحياة. العودة إلى الديار ليست مجرد رحلة عكسية من معسكر النزوح إلى القرية أو المدينة، بل هي رحلة نفسية شاقة بين ماضٍ مثقل بالصدمة وحاضر يبحث عن الأمان.

 

صدمة الخوف الأول

 

حين تدوي أولى أصوات الرصاص أو تسقط قذيفة بالقرب من بيت، يتشكل بداخل الإنسان جدار من الفزع يترسخ في ذاكرته لسنوات. هذه هي “صدمة الخوف الأول” التي ترافق معظم النازحين حتى بعد عودتهم. الطفل الذي كان يختبئ في حضن أمه، والمرأة التي فقدت جارًا أو قريبًا، والرجل الذي رأى بيته يُحترق أمام عينيه، كلهم يعودون وفي داخلهم جرح لا يُرى بالعين المجردة.

 

العودة ليست نهاية الطريق

 

العودة إلى القرى ليست نهاية الأزمة، بل بداية تحدٍ جديد. فالوافدون يواجهون بيوتًا مهدمة، وحقولًا أكلتها الأعشاب، ومدارس أُغلقت أبوابها. لكن التحدي الأكبر هو إعادة بناء الثقة: ثقة الناس في بعضهم البعض، وثقتهم في أن الغد لن يعيد مشاهد الأمس.

 

أنجع الحلول لتفادي الصدمة ومحو الذكريات الأليمة

 

1. الدعم النفسي والاجتماعي:

توفير جلسات إرشاد جماعي للأطفال والنساء والرجال يساعد على إخراج الصدمات المكبوتة وتحويلها إلى قصص مقاومة بدلاً من أن تظل جراحًا مفتوحة.

 

 

2. إحياء الأنشطة الثقافية والفنية:

المسرح، الغناء، الرسم، وحتى الرياضة، أدوات فعّالة لتفريغ الألم وإعادة بث الأمل في النفوس. في كثير من المجتمعات، لعب الفن دورًا حاسمًا في مصالحة الناس مع ماضيهم.

 

 

3. المشاركة المجتمعية:

إشراك العائدين في مشاريع إعادة الإعمار، مثل ترميم المدارس وحفر الآبار وزراعة الأراضي، يزرع فيهم إحساسًا بالملكية والانتماء ويُبدد شعور الاغتراب.

 

 

4. بناء ذاكرة إيجابية بديلة:

بدلاً من أن تبقى القرية مرتبطة في أذهان الأطفال بمشاهد الحرب، يمكن أن تُعاد صياغة ذاكرة جماعية جديدة مرتبطة بالاحتفالات الشعبية، الأنشطة الشبابية، وحكايات التضامن بين الجيران.

 

 

5. الدعم الحكومي والمنظمات:

توفير الخدمات الأساسية – من صحة وتعليم وأمن – عنصر أساسي لطمأنة الناس أن عودتهم آمنة وليست مجرد مغامرة محفوفة بالمخاطر.

 

 

 

بين الخوف والأمل

 

رغم ثقل الماضي، فإن عودة النازحين إلى مدنهم وقراهم تحمل في طياتها رسالة أمل: أن الحياة أقوى من الحرب، وأن الذكريات الأليمة يمكن أن تتحول إلى دروس لبناء مستقبل أكثر وعيًا وتماسكًا. في عيون الأطفال العائدين، تختفي ملامح الخوف شيئًا فشيئًا لتحل محلها ابتسامات خجولة، وفي خطوات النساء والرجال العائدين يكمن إصرار على أن الأرض، مهما ابتعدوا عنها، ستظل دائمًا بيتهم الأول والأخير.

 

العودة ليست مجرد رحلة إلى المكان… إنها رحلة إلى السلام الداخلي.

زر الذهاب إلى الأعلى