أُسَيْدياتُ الثُلاثاء عثمان الشيخ الأُسيد يكتب رجال ونساء لم تسمع بهم على الأرجح (5)

(واصل بنُ عطاء)
هو مؤسسُ فرقة المعتزلة، لكني لم اختاره من ضمن رجال لم تسمع بهم لأنه مؤسس فرقة المعتزلة، قلت ليوسف: أجل، لماذا اخترته؟ قال اخترتَه لأنه كان ألثغ، قلت له: ماذا تعني؟ قال: اللثغةُ هي تحوَّلُ اللسانِ من حرفٍ إِلى حرف، كقلب (السين ثاء، والراء غينًا) وكان لواصلٍ بنِ عطاء عاهةٌ في نطقِ حرف الراء، قلت له: وهل هذه ميزةٌ تؤهله لأن يُشار إليه؟ قال: لا، ولكني أشرتُ إليه لأنه كان من الأعاجيب في الخطابة والمناظرات، كان يخطبُ ويناظرُ دون الحاجة إلى استخدام حرف الراء ولا ينتبه احدٌ لذلك لسهولة الفاظه، قلتُ له: كيف يفتتح خطبتَه بالبسملة وفيها راءان، الرحمن الرحيم؟ قال يوسف: ثلاثةُ راءات لأنه كان يتعوذُ بالله من الشيطان الرجيم دون أن يستخدم حرف الراء، كان يفتتح خطبه بالتالي: أعوذ بالله القوي، من الشيطان الغوي ، إن الله هو السميع العليم. بسم الله الفتاح المنان. قل هو الله أحد، الله الصمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد. ثم يدخل في الكلام بقوله (نفعنا الله وإيَّاكم بالكتابِ الحكيم، وبالآيات والوحي المبين، وأعاذنا وإيَّاكم من العذاب الأليم. وأدخلنا جنات النعيم. وأقولُ ما به أعظكم، وأستعتبُ اللهَ لي ولكم) وكان يقول اشهد ان لا اله الا هو وحده لا مثيل له، لم يقل لا شريك له! أرأيت كيف تحايلَ على حرف الراء وجاء بما يحل محله دون أن تشعر بالتغيير؟
قال الجاحظ: كانَ عطاءٌ إذا أرادَ أن يذكرَ البُرّ قال: القمح أو الحِنْطة وكان يقول الغيث بدلا عن المطر
ويجعلُ البُرَّ قَمحًا في تصرّفه
وخالفَ الرّاء حتّى احتالَ للشِّعْرِ
ولمْ يُطِقْ مطَرًا في القول يُعْجِلُهُ
فعادَ بالغيثِ إشفَاقًا من المطَر
ومن الطرائف، أنَّه مرّ يومًا بأناسٍ فأرادوا أن يتضاحكُوا من لَثغته، فقالوا له ، كيفَ تقولُ: جرَّ رمحَه، وركبَ فرَسَه، وأمرَ الأميرُ بحفر بئر على قارعة الطريق فأجابهم واصل من فوره قائلا لهم، أقول: (سحبَ ذَابلَه، وامتطى جوادَه، وأوجبَ الخليفةُ نقْبَ قليب على الجادّة) ذابله يقصد رمحه، وقال جواده بدلا عن فرسه، وقال الخليفة بدلا عن الأمير وقال نقب بدلا عن حفر والقليب هي البئر وبدلا عن قارعة الطريق قال (الجادة)
وقصةٌ أخرى مفادها أن واصل بن عطاء كان قد ضاق ذرعا بالشاعر الأعمى بشار بن برد، فقال فيه: أما لهذا الأعمى الملحد المشنّف المُكنّى بأبي مُعاذ من يقتله، أما والله لولا أنّ الغيلة سجيّةٌ من سجايا الغالية، لبعثت إليه من يبعج بطنه على مضجعه، ويقتله في جوف منزله وفي يوم حفله.. قلتُ: سبجان الله حين لم يستطع أن يقولَ بشّار، أو ابن برد أو الضرير لوجود حرف الراء، قال هذا الأعمى، وكان بشار أرعن ولكن أبن عطاء قال المشنف وهي تعنى- أيضا- الأرعن، وقال الملحد بدلا عن الكافر، وقال لبعثتُ من يبعج بطنه ولم يقل لأرسلتُ من يبعج بطنه، قال ليقتله في منزله ولم يقل في داره وقال،على مضجعه، ولم يقل على فراشه. وقال يوم حفله بدلًا عن يوم عرسه. إستطاع أن يتفادى أي كلمة فيها حرف الراء وجاء بما يعادلها بكل فصاحة ودون أن يشعر السامعُ بالتغيير.
لواصل بنِ عطاء خطبةٌ شهيرة طويلة، ألقاها أمام الوالي ووفد من العلماء، إقتدر فيها على الاستغناء عن حرف من أكثر الحروف دورانًا في الكلام، هو حرف ( الراء) ولأنها خطبة طويلة، سأقتبس لكم منها شيئًا يسيرًا. قال: الحمد لله القديم بلا غاية، والباقي بلا نهاية، الذي علا في دنوه، ودنا في علوه، فلا يحويه زمانٌ، ولا يحيط به مكان، ولا يؤوده حفظ ما خلق، ولم يخلقه على مثال سبق، بل أنشأه ابتداعًا وعد له اصطناعا، فأحسن كل شيء خلقَه وتمم مشيئته، وأوضح حكمته، فدلَّ على ألوهيته، فسبحانه لا معقب لحكمه، ولا دافع لقضائه، تواضع كل شيء لعظمته، وذلَّ كلُّ شيءٍ لسلطانه، ووسعَ كلَّ شيءٍ فضلُه، لا يعزبُ عنه مثقال حبةٍ وهو السميعُ العليم، وأشهد ألَّا إله إلا وحده لا مثيل له.
بهذه الطريقة أنهى خطبته الشهيرة وكيف تمكن من الفرار من حرف الراء في إبداعٍ وخفة وحَذِق، وهذا يدلُ على قدرة فنية لا تتأتى إلا للأفذاذ.
واصل بن عطاء من اهل البصر متكلم ومفكر إسلامي (700 – 748 م) هو أبو حذيفة واصل بن عطاء المخزومي، الملقب بالغزّال الألثغ، قيل لُقِّبَ بالغزال لأنه كان طويلَ العنق وقيل الغزّال بتشديد حرف (الزين) لأنه كان يجلس في سوق الغزالين وهبه الله من فطانةٍ وفصاحةٍ وحسنِ تصرف في القول، رغم عاهته في نطق حرف الراء، هو مؤسس فرقة المعتزلة، أسسها عندما حصل الخلاف بينه وبين الحسن البصري في حكم مرتكب الكبيرة، فاعتزل حلقة الحسن، فقال الحسن «إعتزلنا واصلٌ» ومن هنا جاء اسم المعتزلة وهذا ليس مكان الحديث عن هذه الفرقة، فالكلام عنها كثير، والمجال لا يتسع له في هذا المقال..
قلت ليوسف: ما الفوائد من هذا المقال؟ قال: الثقةُ في النفس والتحدي وأن لكل آفةٍ علاجًا، كما أنني عرفت أن اللثغةَ تعنى أن يعدل حرف إلى حرف، قلت له ، اضف إلى معلوماتك هذه المعلومة: اللثغة: أن يعدل بحرفٍ إلى حرف. والتمتمة هي التردد في التاء. والفأفأة هي التردد في الفاء. والعقلة هي التواءُ اللسان عند إرادة الكلام. والحبسة: تعذر الكلام عند إرادته. واللفف هي إدخال حرف في حرفٍ. والرتةُ هي كالرتج تمنع أول الكلام، فإذا جاء منه شيء إتصل. والغمغمة هي أن تسمع الصوت ولا يتبين لك تقطيع الحروف. والطمطمة هي أن يكون الكلام مشبهاً لكلامِ العجم. واللكنة هي أن تعترض على الكلام اللغةُ الأعجمية، والغنة: أن يشرب الحرف صوت الخيشوم. والخنة: أشد منها. والترخيم: حذف الكلام. أنتهى. أما الجغم والشفشفة وانبشقت وعرَّد، فهذه الكلمات لم أجدها في قواميس الأرض.
إختبار: (قرر الفريق إبراهيم جابر تعمير الخرطوم، وركَّز على الرعاية الصحية وإنارةِ الطُرق والكباري) هل تستطيع أن تستبدل هذه الكلمات بأخرى بدون حرف الراي ودون أن يغيرَ في المعنى؟ إن استطعت فأنت (واصل)
و إلى الثلاثاء القادم مع رجالٍ ونساء لم تسمع بهم على الأرجح إن كان في العمرِ بقية فابقوا معنا يُوسفُ وانا
والله أعلى وأعلم
14 أكتوبر 2025م


