د. عبدالرحيم حاج الامين يكتب استمارات الشرطة الجنائية بين الذاكرة المهنية واندثار التطبيق(1)

مقدمة:-
عرفت الشرطة السودانية منذ نشأتها الأولى في عهد الحكم الثنائي نظامًا دقيقًا لتوثيق النشاط الجنائي والإجرائي عبر استمارات خاصة تُعرف بـ استمارات الشرطة الجنائية، كانت تمثل آنذاك العمود الفقري للعمل الشرطي المنظم، ووسيلة فعالة لضبط البيانات وتوحيد الإجراءات بين الإدارات المختلفة.
وقد امتد هذا النظام مع تطور جهاز الشرطة، فأصبحت تلك الاستمارات لغة مهنية موحدة تُستعمل في أقسام التحريات، والمباحث، والرقابة الجنائية، مما ساعد على دقة المتابعة وكفاءة الأداء.
أهمية الاستمارات في العمل الجنائي:-
كانت الاستمارات وسيلة لضبط المعلومة، وتوثيق البلاغات، وتحديد هوية المشتبهين، وتدوين نتائج التحريات والقرارات القضائية اللاحقة.
ومن خلال هذه النماذج، كانت الشرطة قادرة على بناء قاعدة بيانات ميدانية دقيقة قبل عصر الحوسبة، إذ عُرفت استمارات مثل:-
استمارة شرطورقم (8) الخاصة بالفحص الطبي للمجني عليهم .
استمارة شرطة رقم (10) المتعلقة بتلخيص البلاغ وتقديمه للمحاكمة.
، وغيرها من النماذج التي شكّلت الذاكرة الورقية للشرطة السودانية.
أسباب اندثار العمل بها:
مع تطور الأنظمة التقنية ودخول الحوسبة في العمل الشرطي، بدأ الاعتماد على النماذج الورقية يتراجع تدريجيًا.
كما أدت الحروب والنزاعات، وضعف البنية الإدارية، وتغير المناهج التدريبية إلى تراجع استخدام هذه الاستمارات حتى كادت تختفي من الممارسة اليومية.
وأصبح العمل الميداني يعتمد على التقارير الشفوية أو المذكرات الداخلية دون الرجوع إلى النماذج الموحدة التي كانت تحفظ التسلسل الإجرائي وتوثق المسؤوليات.
الآثار المترتبة على غيابها:-
أدى اندثار العمل بهذه الاستمارات إلى فقدان النظام الإداري الدقيق الذي كان يضبط سير البلاغات والتحقيقات.
كما تراجعت القدرة على المراجعة والتقييم والمساءلة، وضعفت الذاكرة المؤسسية التي كانت تحفظها الملفات الورقية المرقّمة والموقّعة.
إن غيابها لا يمثل فقط ضياع وسيلة تنظيمية، بل فقدان لثقافة مهنية توثيقية كانت جزءًا من أخلاقيات العمل الشرطي.
خاتمة:-
إن إعادة إحياء استمارات الشرطة الجنائية لا تعني العودة إلى الورق، بل إلى روح النظام والانضباط التي حملتها تلك النماذج.
فيمكن إعادة تصميمها إلكترونيًا لتصبح جزءًا من نظام معلومات جنائي حديث، يربط بين الماضي المهني العريق والتقنيات المعاصرة، في سبيل تطوير الأداء وتعزيز الثقة في العدالة الجنائية.
وللحقيقة في سبيل هذا التوثيق تواصلت مع بعض القادة لافادتي وكانت تفاعلات السيد الفريق محمد عثمان محمد نور والفريق عابدين الطاهر.. حاضرة إلا أن القدح المعلي في تقديم المعلومة يرجع لاخونا سعادة اللواء راشد الطيب.
سوف نحاول في هذه السلسة من المقالات محاولة التوثيق وتنشيط الذاكرة وترسيخ تلك المعلومات للأجيال الناشئة من ضباط الشرطة وصف الضباط.
كما المقالات مفتوحة للسادة القادة او الزملاء للاضافة أو تصحيح اي معلومات غير دقيقة… بالإضافة أو التعديل.
الله غالب.
د.عبدالرحيم حاج الأمين


