زاوية خاصة نايلة علي محمد الخليفة تكتب الخطر من الداخل… ملف العائدين والمتعاونين

العدو الذي يرفع إحداثيات المواقع للمليشيا لتُستهدف بالمسيرات لم يأتِ من بعيد ، ولم يتسلل عبر الحدود ، بل خرج من بيننا ، من داخل المدن والأحياء ، متدثرًا بلباس المواطن الصالح ، ومتحدثًا بلسان الوطنية ، بينما قلبه معقود على المليشيا التي انتمى إليها يومًا ما ، إما انتماءً عسكريًا أو ولاءً سياسيًا ، هذا النوع من الأعداء أخطر من العدو الذي يواجهك مباشرة ، لأنه لا يواجهك من الأمام ، بل يطعن من الخلف ، مستفيدًا من معرفته بأدق التفاصيل ، وبحكم قربه من المشهد .
المسيرة التي استهدفت مدينة سنجة لم تكن حدثًا معزولًا ولا ضربة عشوائية ، بل مؤشرًا واضحًا على أن الخيانة ما زالت تنبع من الصفوف القريبة ، وأن ملف الاختراق متمدد ، هذا الواقع يعيد إلى الأذهان حديث الفريق ياسر العطا ، عضو مجلس السيادة ، حين أكد أن كثيرًا من مؤسسات الدولة لا تزال تعج بأتباع المليشيا ، سياسيين كانوا أو عسكريين ، حديث لم يكن توصيفًا إعلاميًا بقدر ما كان تحذيرًا صريحًا من خطر كامن داخل مفاصل الدولة.
لا يقتصر هذا الواقع على ولاية سنار وحدها ، بل يمتد إلى كل ولايات السودان بلا استثناء ، فالذين انخرطوا في صفوف المليشيا ، ثم عادوا بعد تضييق الخناق عليها ، توزعوا اليوم بين المستنفرين ، والقوات المشتركة ، ودرع السودان ، أو عادوا إلى الحياة المدنية متخفين خلف صفة مواطن عادي ، هذا الانتشار الواسع يحوّل ملف المتعاونين من قضية محلية إلى أزمة وطنية شاملة ، ويجعل خطرهم ممتدًا بطول الجغرافيا السودانية وعرضها.
ولاية سنار والاستشهاد لها يأتي مثالًا لا حصرًا ، فهي ولاية كانت تحت سيطرة المليشيا ، وانخرط عدد كبير من أبنائها في صفوفها ، بعضهم حمل السلاح ، وبعضهم وفر الغطاء السياسي أو الاجتماعي ، وعندما تحررت الولاية وضاقت الدائرة ، أنكر كثيرون ولاءهم السابق ، وارتدوا عباءة الوطنية ، فانضم بعضهم إلى المستنفرين ، بينما عاد بعضهم إلى حياته المدنية كأن شيئًا لم يكن ، المشكلة لا تكمن في العودة في حد ذاتها ، بل في غياب الفرز ، وانعدام المحاسبة ، فبين هؤلاء من لا يُؤتمن ، ومن لم يراجع موقفه أصلًا ، ومن ما زال يحتفظ بولائه القديم ، وينتظر اللحظة المناسبة لتمرير الاحداثيات ، أو تسريب معلومات ، أو فتح ثغرة ، الأخطر من ذلك أن بعضهم وجد حماية داخل مؤسسات الدولة ، عبر أقارب أو نافذين في الجيش أو الشرطة أو الأجهزة الأمنية ، فتحولوا من متهمين محتملين إلى أشخاص أحرار بلا مساءلة ولا تدقيق.
ما لم تتعامل الدولة ، وبحزم لا يعرف المجاملة ، مع ملف المنتمين والمتعاونين مع المليشيا ، سنظل نسمع يوميًا عن مسيرة تستهدف مدينة ، أو ضربة تطال منشأة حيوية ، وما لم تُكنس آثار المليشيا من مؤسسات الخدمة المدنية ، وتُراجع ملفات العاملين فيها مراجعة أمنية دقيقة ، فلن تتوقف هذه الحرب الخفية ، المعركة اليوم لم تعد فقط في خطوط النار ، بل داخل المكاتب ، والغرف المغلقة ، والهواتف الصامتة ، إما أن نواجه هذا الملف بشجاعة ومسؤولية ، أو نترك الخطر يتغلغل في الداخل حتى يضربنا من حيث لا نتوقع…لنا عودة.


