أعمدة الرأي

همس الحروف سخونة الامتحانات يبردها ظل الأمهات بقلم : د. الباقر عبد القيوم علي

 

في كل موسم لإمتحانات الشهاده السودانيه ، يتكرر نفس المشهد الإنساني المؤثرة أمام كافة مراكز الامتحانات في السودان ، أمهات وآباء ، وغالباً الأمهات هن الأكثر حضوراً ، يقفم الجميع ساعات طويلة تحت أشعة الشمس الحارقة ، يترقبون خروج أبنائهم وبناتهم من قاعات الامتحان ، إنه منظر يحمل في داخله الكثير من الحب والقلق والدعاء والرجاء ، لكنه في نفس الوقت يكشف عن معاناة حقيقية يمكن تفاديها بسهولة لو أُحسن تنظيمها والتعامل معها بما يليق في هذه اللحظة المفصلية في حياة الطلاب وأسرهم .

 

حضور أولياء الأمور ليس عبثاً ولا عادة إجتماعية من أجل المحاملة ، فهو في حقيقته تعبير صادق عن الدعم النفسي والمعنوي للأبناء الممتحنين في واحدة من أهم مراحلهم الدراسية ، (إمتحانات الشهادة السودانية) التي تمثل محطة أساسية في تحدد مستقبلهم الأكاديمي والمهني ، فكثير من الأمهات لا يحضرن في كل الامتحانات ، ولكنهم يخصصن حضورهن لهذه المناسبة الكبرى ، وكأنهن يشاركن أبناءهن عبور مرحلة مصيرية بكل ما يملكن من دعاء وقلق وأمل ورجاء .

 

لكن المؤسف أن هذا الحضور الإنساني النبيل غالباً ما يُقابل بغياب أبسط وسائل الراحة ، وإحترام كرامة الإنسان ، فهؤلاء الناس يقفون لساعات طويلة تحت أشعة الشمس الحارقة دون ظل أو مقاعد أو ماء شرب ، أو أي ترتيب يخفف عنهم مشقة الانتظار ، وهذا لا ينسجم مع قيمة الفعل ذاته ، ولا مع الاحترام الواجب لهذه الفئة التي جاءت بدافع الحب والاهتمام وليس لأي غرض آخر .

 

من هنا تأتي فكرة بسيطة ولكنها ذات أثر كبير ، فلماذا لا يتم نصب (صيوان) بصورة منظمة أمام مراكز الامتحانات ، مع توفير مقاعد كافية ، وتنظيم أماكن جلوس تقي أولياء الأمور حرارة الشمس؟ ، وتوفير ماء للشرب ، وشاي وقهوة ، إنها ليست تكلفة كبيرة مقارنة بقيمة الأثر النفسي الإيجابي الذي سيعود على الطلاب وأسرهم ، وعلى صورة المؤسسات التعليمية نفسها .

 

إن توفير بيئة إنتظار إنسانية لا يعني تشجيع التجمهر أو مخالفة توجيهات الجهات التعليمية بعدم الحضور ، ولكنه يعني الإعتراف بواقع قائم ، ولهذا وجب تنظيمه بدل أن يترك عشوائياً ، فيمكن جمعهم في مساحة منظمة تحفظ لهم كرامتهم وتوفر لهم الحد الأدنى من الراحة .

 

فوجود مساحة منظمة ومظللة قد يسهم في تخفيف التوتر العام في محيط مراكز الامتحانات ، ويجعل المشهد أكثر هدوءاً وانضباطاً ، ويعكس صورة حضارية عن كيفية إدارة هذه المناسبات المهمة .

 

الأمر في جوهره ليس منحصراً في مقاعد وظل ، ولكن يعتبر احترام لرمزية اللحظة ، فهؤلاء الأمهات والآباء ينتظرون وقلوبهم معلقة بالأمل والرجاء ، تدعو وتسبح وتستودع أبناءها لحظة بلحظة. وأقل ما يمكن تقديمه لهم هو بيئة تحفظ لهم كرامتهم وتراعي إنسانيتهم .

 

فالتعامل مع هذه الظاهرة لا يحتاج إلى قرارات معقدة بقدر ما يحتاج إلى نظرة واقعية ، فتنظيم حضور أولياء الأمور يضيف لمسة إنسانية راقية إلى واحدة من أهم المحطات التعليمية في حياة أبنائنا .

 

والله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل

elbagirabdelgauom@gmail.com

زر الذهاب إلى الأعلى