مقالات الرأي

(الضؤ الشارد) آخر الحروب.. التيار الثوري يعلن التمرد على السلام الهش وعودة الإسلاميين. بقلم الاستاذ/ ملوك ميوت ايواك

 

يمثل بيان المكتب القيادي للحركة الشعبية لتحرير السودان التيار الثوري الديمقراطي أكثر من مجرد موقف سياسي من اجتماعات أديس أبابا ونيروبي. فهو في جوهره محاولة لإعادة تعريف الصراع السوداني باعتباره معركة بين مشروعين .مشروع يسعى إلى إنهاء الحرب عبر تسوية شاملة ومستدامة ومشروع آخر يقوم على إنتاج تسويات سريعة وهشة قد توقف إطلاق النار مؤقتاً لكنها تزرع بذور حرب جديدة في المستقبل.

البيان ينطلق من قراءة نقدية عميقة للتجربة السودانية منذ اتفاقيات السلام السابقة وحتى الاتفاق الإطاري حيث يرى أن معظم الأزمات السودانية لم تكن نتيجة غياب الاتفاقات بل نتيجة ضعفها وعجزها عن معالجة جذور الأزمة المتعلقة بطبيعة الدولة والسلطة والعدالة وتوزيع الثروة والتمثيل السياسي. لذلك رفع التيار الثوري شعارا لافتا لنجعل هذه الحرب آخر الحروب وهو شعار يحمل في طياته رفضاً واضحاً لمنطق الحلول المرحلية التي تؤجل الانفجار ولا تمنعه.

ومن أهم الرسائل السياسية في البيان التحذير من ما وصفه بـــ السلام الهش إذ يعتبر أن المسار السياسي الجاري يتم تصميمه بصورة لا تمنح القوى المدنية المناهضة للحرب دورا مؤثرا في صناعة القرار الأمر الذي قد يحول العملية السياسية إلى مجرد تفاهمات بين النخب المتصارعة بعيدا عن القوى الاجتماعية التي دفعت أثمان الحرب والثورة معاً.

كما يكشف البيان عن أزمة ثقة متصاعدة بين القوى المدنية وبعض الأطراف الدولية والإقليمية الراعية للعملية السياسية. فالتيار الثوري يرى أن تصميم العملية السياسية لا يجب أن يكون حكرا على الوسطاء بل ينبغي أن يكون نتاج توافق وطني واسع تشارك فيه القوى المناهضة للحرب باعتبارها صاحبة المصلحة الحقيقية في بناء السلام.

وفي جانب آخر يربط البيان بين الأزمة الإنسانية والعملية السياسية وهي نقطة جوهرية كثيراً ما يتم تجاهلها. فالحركة ترى أن الحديث عن ترتيبات سياسية بينما تتعرض مدن بكاملها للتدمير والنزوح يمثل خللا أخلاقيا وسياسيا وأن وقف الكارثة الإنسانية وحماية المدنيين يجب أن يكونا المدخل الطبيعي لأي حوار سياسي جاد.

أما الموقف الأكثر إثارة للجدل في البيان فهو التحذير المتكرر من عودة الإسلاميين إلى المشهد السياسي عبر التسويات السريعة. فالتيار الثوري يعتقد أن أي اتفاق لا يتضمن محاسبة القوى التي ارتبطت بتجربة الحكم السابقة سيؤدي إلى إعادة إنتاج الأزمة نفسها بأسماء وأشكال مختلفة وهو ما يجعله يرفض فكرة المكافأة السياسية لمن يعتبرهم مسؤولين عن جزء كبير من انهيار الدولة السودانية.

وفي المقابل لا يخفي البيان مخاوفه من طرفي الحرب أنفسهما إذ يشير بوضوح إلى أن ضعف السيطرة على المجموعات المسلحة وانتشار السلاح والمليشيات والتناقضات داخل التحالفات العسكرية قد يدفع البلاد نحو مزيد من التشظي والتفكك ما لم يتم التوصل إلى مشروع وطني يقوم على جيش مهني واحد ودولة مدنية ديمقراطية.

في النهاية يمكن القول إن هذا البيان ليس مجرد اعتراض على مسار سياسي بعينه بل هو إعلان عن معركة سياسية جديدة داخل المعسكر المدني نفسه حول شكل السلام المطلوب في السودان. فبين من يفضلون تسوية عاجلة توقف الحرب بأي ثمن ومن يرون أن السلام الحقيقي يحتاج إلى معالجة جذور الأزمة مهما طال الطريق يضع التيار الثوري الديمقراطي نفسه في المعسكر الثاني رافعاً شعاراً مكثفاً ومحملاً بالدلالات .الحلول السريعة قد توقف الحرب اليوم لكنها قد تشعل حرباً أخرى غداً.

زر الذهاب إلى الأعلى