مقالات الرأي

(الضؤ الشارد)           الأبيض على حافة النار..  الأمم المتحدة تدق ناقوس الخطر قبل تكرار مأساة الفاشر..   بقلم الاستاذ/ ملوك ميوت ايواك

 

ما بين التحذير الأممي والتصعيد العسكري تبدو مدينة الأبيض وكأنها تقف على حافة منعطف خطير قد يعيد إنتاج المشهد المأساوي الذي عاشته مدينة الفاشر العام الماضي. فحين تتحدث الأمم المتحدة عن ضرورة منع تكرار الفظائع فإنها لا تستخدم لغة دبلوماسية عابرة بل تطلق جرس إنذار مبكرا بأن المدينة قد تكون مقبلة على كارثة إنسانية إذا لم تتراجع الأطراف المتحاربة عن منطق الحسم العسكري..الرسالة الأممية هذه المرة تحمل دلالات أعمق من مجرد الدعوة لحماية المدنيين. فالاتصال الذي أجراه المبعوث الشخصي للأمين العام للسودان بيكا هافيستو مع قائد الدعم السريع محمد حمدان دقلو يكشف أن المجتمع الدولي يتابع التطورات في الأبيض بقلق متزايد وأن هناك مخاوف حقيقية من اندلاع معركة واسعة داخل مدينة تمثل شرياناً استراتيجيا يربط أجزاء واسعة من السودان.

الأبيض ليست مجرد مدينة عادية في خارطة الحرب السودانية . إنها نقطة دائرة مواصلات ومركز اقتصادي وإنساني مهم كما أنها تستضيف عشرات الآلاف من النازحين الذين فروا أصلاً من جحيم المعارك في مناطق دارفور وجنوب كردفان. لذلك فإن أي هجوم واسع عليها لن يعني فقط سقوط مدينة جديدة في دائرة الصراع بل قد يؤدي إلى موجة نزوح ضخمة وانهيار إضافي للوضع الإنساني المتدهور أصلاً.

ومن اللافت أن الأمم المتحدة لم تكتفِ بمخاطبة أطراف النزاع مباشرة بل أشارت إلى تحركات موازية مع الدول المؤثرة على طرفي الحرب. وهذا يعكس قناعة متزايدة بأن القرار العسكري في السودان لم يعد محصوراً داخل الحدود السودانية فقط بل أصبح مرتبطاً أيضاً بحسابات إقليمية ودولية معقدة الأمر الذي يجعل أي جهد لوقف التصعيد بحاجة إلى ضغوط متعددة المستويات.

على الأرض . فاستمرار هجمات الطائرات المسيّرة وصعوبة وصول المنظمات الإنسانية إلى المدينة يرسلان إشارات واضحة إلى أن الوضع الميداني يتجه نحو مزيد من التوتر. وفي مثل هذه الظروف يصبح المدنيون هم الحلقة الأضعف دائماً بينما تتحول المدن إلى ساحات مفتوحة للخوف والنزوح ونقص الغذاء والدواء.

واللافت للنظر أيضاً أن الأمم المتحدة أعادت التأكيد على الحوار السياسي في وقت تتحدث فيه البنادق بلغة أعلى من أصوات الوسطاء. وكأن المنظمة الدولية تريد أن تقول للأطراف المتحاربة إن الطريق إلى النصر العسكري طويلاً ومكلفاً بينما يزداد ثمن الحرب الذي يدفعه المواطن السوداني كل يوم.

فان تحذير الأمم المتحدة ليس مجرد بيان روتيني بل هو رسالة استباقية تقول إن الأبيض قد تكون أمام اختبار مصيري. وإذا كانت الفاشر قد أصبحت رمزاً لمعاناة المدنيين تحت نيران الحرب فإن المجتمع الدولي يحاول اليوم منع كتابة الفصل ذاته في الأبيض. لكن هنا سؤالا معلقاً وهو .هل ستنتصر أصوات التحذير والدعوات للحوار أم أن المدينة ستُضاف إلى قائمة المدن السودانية التي دفعت ثمن الحرب قبل أن يسمع المتحاربون صوت العقل؟

زر الذهاب إلى الأعلى