تقارير

الجرائمُ الإلكترونيةُ.. تهديدٌ متصاعدٌ في عصرِ الرَّقمنة

 

الهندسةُ الاجتماعية.. اختراقُ العقولِ قبلَ الحساباتِ لاستغلالِ الحاجةِ المالية

 

النيابة: آلافُ البلاغاتِ في السنواتِ الأخيرة، وجهودٌ مكثفةٌ لملاحقةِ المجرمين

تحقيق / الخليل الاخباري :  هاشم عمر

في عصرِ التكنولوجيا والرَّقمنة، لم تَعُدِ الجرائمُ مقتصرةً على الشوارعِ أو المؤسساتِ التقليدية، بل انتقلت إلى الفضاءِ الإلكتروني، حيث أصبح الاحتيالُ والابتزازُ والاختراقُ جزءاً من واقعٍ يوميٍّ يهددُ الأفرادَ والمجتمعات. وهذه الجرائمُ الإلكترونيةُ، التي تُرتكبُ عبر الحواسيبِ والشبكاتِ والهواتف، باتت تُشكِّل تحدياً قانونياً وأمنياً كبيراً، خاصةً في ظلِّ صعوبةِ تتبُّع مرتكبيها وسرعةِ انتشارها عبر الحدود.

يقول د. هيثم عبد الرحيم عثمان محمد، رئيسُ وحدةِ الذكاءِ الاصطناعي بجامعةِ الرباط الوطني:

«ترتبطُ الجرائمُ الإلكترونيةُ ارتباطاً وثيقاً بمستوى القدرةِ التقنيةِ والحرفيةِ الرقميةِ في أيِّ مجتمع. فكلما تطورت الوسائلُ، ازدادت أنماطُ الانحرافِ تعقيداً في استخدامها، فعلى سبيل المثال، شهدت اليابانُ مؤخراً محاولةَ اغتيالٍ فاشلةً استهدفت أحدَ المسؤولين خلال حملةٍ انتخابية، حيث استُخدمت الطابعاتُ ثلاثيةُ الأبعاد في تصنيعِ السلاحِ المستخدمِ في تلك العملية.

ومن المتوقع أن تنتقل هذه الظواهرُ تدريجياً من الدولِ المتقدمةِ كاليابان والولايات المتحدة الأمريكية، مروراً بالدولِ الغربية، وصولاً إلى العالمِ العربي، بدءاً من منطقةِ المغرب العربي، ثم دولِ الخليج ومصر، وانتهاءً بالسودان في مرحلةٍ لاحقة. وبالتالي فإن الانفتاحَ على التقنياتِ الرقمية، مهما تأخر وصولُها، يؤدي حتماً إلى ارتفاعِ مستوياتِ الانحرافِ في استخدامها مع تزايدِ التبني التكنولوجي.

وفي هذا السياق، كشف المؤتمرُ الأخيرُ الذي نظمته شركةُ جوجل قبل نحو ثلاثة أسابيع عن إمكانياتٍ هائلةٍ وغير مسبوقةٍ في مجالاتِ إنتاجِ الأفلام، وتوليدِ المعلومات، وتحويرِ الصوتِ والصورة. وتتيح هذه الأدواتُ إنجازَ ذلك إما عبر طلبٍ كتابي (برومبت)، أو طلبٍ صوتي، وبشكلٍ فوري ودون أدنى تعقيداتٍ تقنية.

غير أن هذه التقنيةَ لم تُطرح على نطاقٍ واسعٍ بعد؛ إذ تشير التوقعاتُ إلى أن ظهورَها الفعلي سيكون في الصيفِ القادم بالولايات المتحدة الأمريكية. لكن من المؤكد أن انطلاقتها ستفرض تحدياتٍ ضخمةً جداً على المجتمعات، خصوصاً فيما يتعلق بمصداقيةِ المحتوى وأمنِ المعلومات».

ويقول الأستاذ عبد العظيم صالح، رئيسُ تحريرٍ سابقٌ ومحللٌ اقتصادي:

«الجريمةُ هي الجريمةُ، سواء أكانت تقليديةً أم إلكترونية؛ فسرقةُ هاتفٍ في الأسواق من جيبِ أحدهم هي جريمةُ نشلٍ أو سرقة، وقد تأخذ بعد ذلك طابعاً إلكترونياً كالابتزازِ والتشهيرِ وتهديدِ الضحيةِ بنشرِ محتوى هاتفه إن لم يستجب لطلباتِ السارق. والأمثلةُ كثيرةٌ على تطورِ الجريمةِ واستجابتها للتقنية بالشكلِ الذي بات مهدداً للمجتمع وقيمه الماديةِ والروحية.

وقد نشأت أنماطٌ ومستوياتٌ متعددةٌ لهذا النوع من الجرائم، الأمرُ الذي يحتاج إلى تدابير تبدأ من الفرد وتنتهي عند الدولة، عبر تفعيل القوانين ونظم الحماية وتحديث البرامج.

وأطالبُ الدولةَ بتعديلِ قوانينِ المعلوماتيةِ الحالية، فهي تُجرِّم الاختراقَ وسرقةَ البيانات، لكنها يجب أن تُلزم شركاتِ الاتصالات بتحمل مسؤوليتها القانونية وحماية المواطن في حالة تعرضه للسرقة أو الاحتيال، وتقديم المساعدة على وجه السرعة، وحماية بياناته، ومراقبة الحسابات، واستخدام التطبيقات الآمنة.

والمطلوب أيضاً تعزيزُ الوعيِ الإلكتروني لدى المواطن، بالإسراع في إبلاغ الشرطة وانتهاج سلوكياتٍ صارمةٍ في التعامل، مثل عدم مشاركةِ كلماتِ المرور مع الآخرين أو تبادلِ الصورِ والفيديوهات، والالتزامِ بقيمِ المجتمع السوداني المستمدة من دينه وأعرافه الأصيلة المتوارثة عبر الأجيال».

ويقول صلاح عمر:

«تلقيتُ اتصالاً ورسالةً من شخصٍ ادعى أن لديه تحويلاً خارجياً من المملكة العربية السعودية، وطلب مني رقمَ حسابي البنكي. بعد ذلك طلب مني تحديثَ تطبيق البنك على هاتفي. لم أشك في الأمر، لكن بعد ساعاتٍ اكتشفت أن رصيدي قد سُحب بالكامل، واضطررتُ إلى الاستدانةِ من الأهل والأصدقاء لتعويض الخسارة. وقد أدركتُ حينها أن الثقةَ العمياءَ في أي اتصالٍ أو رسالةٍ قد تُكلِّف الإنسانَ كلَّ شيء. وأنصح الجميع بعدم مشاركة بياناتهم البنكية أو تثبيت أي برامج إلا من المصادر الرسمية، فالمجرمون يستغلون ثغراتِ الثقة قبل أي شيءٍ آخر».

ويقول مولانا آدم السنوسي، وكيل نيابة المعلوماتية :

«شهدت جرائمُ المعلوماتيةِ خلال عام 2024 وعام 2025 تزايداً ملحوظاً، إذ تجاوز عددُ البلاغات عشرةَ آلاف بلاغ، كما تصاعدت الأعدادُ إلى عشراتِ الآلاف على مستوى النيابات العاملة في البلاد، في ولايات البحر الأحمر وكسلا والقضارف والشمالية وعطبرة والأبيض. وتعمل هذه النياباتُ على أعلى مستوى، كما توجد نيابةُ معلوماتيةٍ في جميع الولايات.

وتتعددُ وتتفاوتُ أساليبُ الاحتيال، وفي الغالب يستخدم المحتالُ ما يُعرف بالهندسة الاجتماعية، أي اختراقَ العقول قبل اختراق الحسابات، والاستيلاءَ على إعداداتِ الأمان.

وغالباً ما يدّعي المتصلُ أنه يتبع لمنظمةٍ تقدم مساعداتٍ إنسانية، مستغلاً حاجةَ الشخص إلى السيولة المالية. كما قد يتصل مدعياً أن لديه حوالةً من أحد الأقارب، ويطلب من الضحية اتباعَ خطواتٍ تتعلق بالرقم المرجعي للحساب، وغالباً ما تتكرر هذه المحاولات أكثر من مرة، ونقوم بفتح البلاغات واتخاذ الإجراءات المستعجلة، كما نخاطب الجهاتِ الفنيةَ والمعنيةَ بالأمر، مثل البنوك وشركات الاتصالات ومركز السودان للبريد والمعلومات، وفيما يتعلق بتطبيقات فيسبوك وواتساب وماسنجر، فنعمل بجدٍّ واجتهادٍ لملاحقة المجرمين».

زر الذهاب إلى الأعلى