(الضؤ الشارد) حين يصبح الوطن رسالة نجاة صرخات من سرت عندما يبتلع الغياب أصوات العالقين بقلم /ملوك ميوت ايواك

في مدينة سرت الليبية حيث تمتد الصحراء كذاكرة قاسية لا ترحم يطفو نداء السودانيين العالقين كصوتٍ خافتٍ يتشبث بالحياة. ليس مجرد طلب مساعدة بل هو صرخة إنسانية تتكئ على الحنين أكثر مما تتكئ على الكلمات وكأنهم يرسلون رسائلهم إلى قراهم البعيدة حيث البيوت الدافئة ورائحة الطعام وماء لا يقنن بالقطرات.
الأزمة التي يعيشها هؤلاء العالقون تكشف عن طبقة عميقة من المعاناة نقص في الغذاء وشح في الماء وغياب مأوى يليق بإنسانية الإنسان. لكن الأخطر من ذلك هو شعور العزلة حين لا يصل الرد من الجهات الرسمية فيتحول الصمت إلى جدار أثقل من الجوع نفسه.
هذا النداء لا يخاطب جهة واحدة بل يفتح أبوابه على اتساعها للسودانيين داخل البلاد وخارجها وللجاليات القريبة والبعيدة وكأنه يقول إن النجاة في مثل هذه اللحظات لا تدار من مكاتب بل تصنع من تضامن الناس البسطاء حين تضيق الطرق.
في جوهره يكشف المشهد عن مأساة مزدوجة غربة المكان وغربة السند. وبينهما يظل الحنين هو الحبل الأخير الذي يتشبث به العالقون عله يعيدهم إلى القرية التي تركونها غصبا عنهم و التي لم تغادر قلوبهم حتى وإن غابت عن أعينهم.
وفي نهاية المشهد لا يبقى في سرت إلا صدى أصواتٍ أنهكها الانتظار وقلوبٍ تتشبث بالوطن كمن يتشبث بطوق نجاة في بحر الغياب. يظل النداء مفتوحا لا يطلب المستحيل بل حقا بسيطا في الحياة وهو أن يعود الإنسان إلى إنسانيته قبل أن يضيع الطريق بين الحنين والوحدة.


