إشراقات انتصار جعفر تكتب المخدرات… حربٌ صامتة تهدد أمن المجتمع ومستقبل الأجيال

لم تعد المخدرات مجرد ظاهرة اجتماعية أو مشكلة صحية بل أصبحت حربا صامتة تستهدف الإنسان والأسرة والمجتمع وتعمل على تقويض الأمن والاستقرار من الداخل. فكل يوم يتزايد خطرها وتتسع دائرة ضحاياها وتتعاظم آثارها المدمرة على الأسر التي أصبحت تعاني من ضياع الأبناء وتفشي الجريمة وانهيار القيم.
فالمخدرات تقود إلى جرائم بشعة كالقتل والاغتصاب والسرقة كما تتسبب في الفشل الدراسي والانحراف السلوكي والبطالة والهروب من المسؤولية الأسرية والمجتمعية لتصبح معول هدم يضرب مستقبل الشباب ويقوض دعائم التنمية.
ولم تعد تجارة المخدرات تجارة عادية بل غدت من أخطر الأنشطة الإجرامية وأكثرها ربحا، حتى تجاوزت في كثير من الأحيان أرباح تجارة السلاح. ويقف وراءها ضعاف النفوس وعديمو الضمير الذين لا يترددون في الاتجار بسموم تفتك بالمجتمع مقابل مكاسب مالية غير آبهين بما تخلفه من انهيار أخلاقي وتفكك أسري خاصة في ظل الظروف الصعبة التي خلفتها الحرب والتي أنهكت الأسر وأثرت في الاستقرار النفسي والاجتماعي.
وبالأمس احتفل العالم باليوم العالمي لمكافحة المخدرات وشاركت بلادنا في هذه المناسبة عبر فعاليات أقيمت في الخرطوم وعدد من الولايات وكان لنا شرف حضور احتفال اللجنة الفرعية لمكافحة المخدرات بولاية البحر الأحمر الذي أقيم بنادي هيئة الموانئ البحرية بمدينة بورتسودان.
غير أن القيمة الحقيقية لمثل هذه الاحتفالات لا تكمن في الكلمات والخطب وإنما في تحويلها إلى برامج عملية وخطط مستمرة لمواجهة هذه الآفة عبر تكاتف الأجهزة الرسمية ومنظمات المجتمع المدني والإعلام والمؤسسات التعليمية والدينية باعتبار أن مكافحة المخدرات مسؤولية وطنية مشتركة.
ولعل ما أعلن عنه خلال الاحتفال من ضبط (430) كيلوغراما من مادة الآيس الخطرة بشقيها السائل والبودرة يمثل مؤشرا خطيرا على حجم التحدي الذي تواجهه البلاد لكنه في الوقت نفسه يعكس يقظة الأجهزة الأمنية وجهودها الكبيرة في ملاحقة هذه السموم وتجفيف منابعها.
وقد بعثت تصريحات مدير شرطة ولاية البحر الأحمر اللواء دفع الله طه حول استمرار الحملات الضبطية طوال العام وعدم التهاون مع المروجين والمهربين برسالة طمأنينة تؤكد أن هناك إرادة حقيقية لاجتثاث أوكار المخدرات وهو ما يمنح المجتمع أملاً في الانتصار على هذه الحرب الخفية.
كما أن تأكيد حكومة الولاية على توفير الدعم اللوجستي لإدارة مكافحة المخدرات يعد خطوة مهمة خاصة مع تطور أساليب التهريب والترويج، التي أصبحت تستخدم وسائل حديثة ومعقدة تتطلب مواكبة دائمة في الإمكانات والتقنيات.
غير أن المواجهة الأمنية وحدها لا تكفى فالمعركة تبدأ بالوعي. ولذلك لا بد من إطلاق حملات توعوية مستمرة تستهدف الشباب على وجه الخصوص لأنهم الفئة الأكثر استهدافا ولأنهم عماد الوطن وقادة مستقبله. ويجب أن تصل رسائل التوعية إلى المدارس والجامعات والمساجد والأسواق ووسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي وأن تستخدم كل الوسائل الممكنة لترسيخ ثقافة الوقاية قبل العلاج.
ومن المبادرات التي تستحق الإشادة الإعلان عن وضع حجر الأساس لمركز علاج الإدمان وإعادة التأهيل بمبادرة من منظمة وادي أمور للإغاثة والتنمية وهي خطوة إنسانية ووطنية تمنح المدمنين فرصة جديدة للعلاج والاندماج في المجتمع فالمتعافي عنصر يمكن أن يعود منتجا إذا وجد الرعاية والاحتواء.
كما أن الموقع الجغرافي لمدينة بورتسودان بما تمتلكه من ساحل طويل على البحر الأحمر ومنافذ بحرية متعددة يفرض مزيدا من اليقظة والتنسيق بين الأجهزة المختصة حتى لا تتحول هذه المنافذ إلى ممرات لعبور السموم التي تهدد أمن الوطن وسلامة أبنائه..
إشراقة أخيرة..
مكافحة المخدرات..مسؤولية الجميع
إن مكافحة المخدرات ليست مناسبة تُحتفل بها في يوم واحد من كل عام، وإنما مسؤولية يومية تتطلب عملاً متواصلاً يبدأ بمنع دخولها إلى البلاد وتجفيف منابعها وإبادة مناطق زراعتها وملاحقة أوكارها، وإنزال أقصى العقوبات الرادعة بالمروجين والمهربين وفق أحكام القانون حتى يكونوا عبرة لكل من تسول له نفسه العبث بأمن المجتمع.
فحماية الشباب من المخدرات ليست واجب الأجهزة الأمنية وحدها بل هي مسؤولية وطن بأكمله لأن الأوطان تُبنى بسواعد شبابها، وتُهدم حين تُستهدف عقولهم.
نصر من الله وفتح قريب


