مقالات الرأي

أحمد عبدالكريم عبدالله يكتب جلد الذات حول دور الإعلام في ترقية الذوق العام والانضباط الأخلاقي..!! 

 

إن الإعلام في شموله ليس مجرد ناقلٍ للأخبار، بل هو مؤسسة تنشئةٍ رئيسة تشكل وعي الناس، وتوجه سلوكهم، وتصنع أذواقهم. فما يُعرض يومياً على الشاشات، ويُبث عبر الإذاعات، أو يُكتب في الصحف والمنصات الرقمية، يتحول تدريجياً إلى معيارٍ يحكم به المجتمع على الجيد والرديء، ويصنف عبره ما هو مقبول وما هو مرفوض. ومن هنا تتجلى خطورة الدور الإعلامي في قضيتين جوهريتين: ترقية الذوق العام، وترسيخ الانضباط الأخلاقي.

والذوق العام ليس فطرةً ثابتة، بل هو نتاج تراكمي لما تتم مشاهدته وسماعه وتداوله. فعندما يمنح الإعلام المساحة الأكبر للخطاب الرصين، والإنتاج الجاد، والنماذج المبدعة، فإنه يرفع سقف توقعات الجمهور، ويُوسع مداركهم الجمالية والفكرية. وفي المقابل، عندما يستسلم وينساق خلف منطق “الأكثر مشاهدة”، ويغرق الفضاء بمشاهد الصراخ ومفردات الإسفاف والابتذال والتدني القيمي، فإنه لا يستجيب لذوق الجمهور فحسب، بل هو الذي يصنع ذلك الجمهور ويهبط به. فالإعلام إما أن يكون رافعاً للذائقة العامة أو خافضاً بها، ولا وجود لمنطقة وسطى بينهما.

أما على صعيد الانضباط الأخلاقي والمهني، فإن الإعلام الهادف يؤدي ثلاث وظائف لا غنى عنها:

أولها النمذجة؛ أي خلق نماذج تشكل قدوة وتحظى بثقة الجمهور، فمن المعروف أن معظم الناس، سيما في قواعد المجتمع، يقلدون ما هو مكرر. لذا، فإن تركيز الإعلام على الطبيب الأمين، والمعلم المخلص، والمبدع، يرسخ قيم العمل والمسؤولية. وبذات القدر، فإن تركيزه على نماذج الثراء السريع، والانتهازية، أو ما يتنافى مع قيم الإنسانية والعقيدة، يرسخ لسلوكيات هدامة.

وثانيها الضبط الاجتماعي؛ إذ إن كشف التجاوزات ونقد السلوك السالب يخلق مناخاً يرفض الانحراف، ويجعل من رهبة الرأي العام رادعاً أقوى من القانون أحياناً.

وثالثها التهذيب اللغوي والسلوكي؛ فاللغة التي تبثها وسائل الإعلام يجب أن تصبح هي لغة الشارع -لا العكس-، كما يجب أن يكون أسلوب الحوار الذي تقدمه قالباً يتشكل عليه طرح النقاش العام.

إن الواقع الراهن يضع هذا الدور أمام تحديين: الأول هو خضوع بعض المؤسسات الإعلامية لمنطق الربح السريع، مما يدفعها لتقديم محتوى ركيك يبحث عن “الترند” اللحظي على حساب القيمة. أما التحدي الثاني فهو فوضى الفضاء الرقمي، حيث اختلط حابل الخطاب المهني بنابل الخطاب العشوائي، وضعفت سلطة المعايير، وأصبح الوصول إلى الجمهور متاحاً بلا رقيب أو ميثاق.

لمواجهة ذلك، نحتاج لمسؤولية تضامنية؛ فعلى المؤسسات الإعلامية الالتزام بميثاق شرف يضع المصلحة العامة قبل المكاسب، وأن تدرك أن رسالتها الأساسية هي غرس القيم قبل الترفيه. وعلى الدولة توفير أطرٍ تنظيمية تحمي المجتمع من المحتوى الهدام دون المساس بحرية التعبير. كما يقع على الجمهور عبء الوعي، فالمتابعة ليست سلوكاً عفوياً، بل هي تصويتٌ وانتخابٌ يومي على نوع المحتوى الذي نريده أن يستمر.

وفي النهاية، لا يمكن لمجتمع أن ينهض بإعلام يروج للإسفاف ويلمع الأخطاء، كما لا يمكن لإعلام جاد أن يصمد في مجتمع ترفضه الثوابت والأخلاق؛ فالعلاقة بينهما جدلية. إن المجتمعات لا تنهار فجأة، بل تنهار عندما يصبح القبيح مألوفاً، والرخيص مرغوباً، والهادف مملاً. والإعلام هو أول من يختار لنا أيّاً من هذه الصور سنراها كل صباح.

زر الذهاب إلى الأعلى