مقالات الرأي

إن تشتغل بغيرك… فاتك إصلاح نفسك بقلم :د. زكي محمد البشير الأمين

 

في الأوقات العصيبة والأزمات المميته التي تمر بها الأمم، تصبح الأولويات أكثر وضوحًا، ويغدو السؤال الحقيقي: ماذا قدم كل منا لوطنه؟ أو لقريته أو لأهله أو حتي لأسرته ففي السودان، الذي أنهكته الحرب وتمرد عليه أبناءه شتما وسبا وانتهاكا لحرمته وتهجيرا لسكانه ، وأثقلت كاهله الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية ، لم يعد ترفًا أن ننشغل بالخلافات الشخصية أو بتتبع أخطاء الآخرين، بل أصبح الواجب الوطني والأخلاقي أن ينصرف كل فرد إلى إصلاح نفسه أولا ، وإتقان عمله ثانيا . والإسهام في إعادة بناء ما دمرته سنوات الحرب التي يغذيها الطامع في موارده بأيدي ابنائه العاقين.

ولعل من أخطر الظواهر التي تتسع في مجتمعاتنا أن يتحول الاهتمام من إصلاح الذات إلى مراقبة الآخرين. وفي محيط عملي عايش الكثير من هذه النوعيه واىاقبها عن كثب مشفقا عليهم ومتحسر علي أفعالهم وانسغالهظ بغيرهم ، ينشغل البعض بما يقوله الناس، أو بما يفعلونه، أو بإطلاق الأحكام عليهم، بينما تتراجع مساحة النقد الذاتي والمراجعة الصادقة لأنفسهم وفي خلواتهم مع ذواتهم. وفي ظل وسائل التواصل الاجتماعي، أصبح تداول الشائعات والاتهامات، والانشغال بالخلافات، أسرع من تداول الأفكار والمبادرات التي تخدم الوطن.

إن السودان اليوم لا يحتاج إلى مزيد من تبادل الاتهامات، بل يحتاج إلى ثقافة المسؤولية يحتاج الي طرح بناء السودان اولا . فإعادة بناء الدولة تبدأ من المواطن الذي يحترم القانون، والموظف الذي يؤدي واجبه بإخلاص، والمعلم الذي يربي قبل أن يعلّم، والطبيب الذي يضع مصلحة المريض فوق كل اعتبار، والشباب الذين يحولون طاقاتهم إلى مبادرات للإنتاج والتطوع وخدمة المجتمع.

 

إن بناء دولة القانون لا يتحقق بالشعارات وحدها ولا بتحميل المسؤوليه لفصيل دون غيره أو لشخص دون الآخرين ، وإنما يبدأ بإصلاح الإنسان.ينظر الي ذاته الي أفعاله الي وقته كيف بقضيه وكيف تتسرب الدقائق والساعات من بين يديه فيما لا يفيد فحين يلتزم كل فرد بواجبه، ويحترم حقوق الآخرين، ويؤدي عمله بأمانة، تتشكل تدريجيًا بيئة يسودها الانضباط والثقة، وهما أساس أي نهضة وطنية. ولهذا فإن إصلاح المؤسسات لا ينفصل عن إصلاح الأفراد، لأن المؤسسات ليست سوى انعكاس لسلوك من يعملون فيها.

 

لقد علمتنا التجارب أن الأمم لا تنهض بإحصاء أخطاء بعضها بعضًا، وإنما تنهض عندما يتحول النقد إلى مراجعة ذاتية، وعندما تصبح المسؤولية ثقافة عامة لا شعارًا مؤقتًا. ومن السهل أن نشير إلى مواطن الخلل، لكن الأصعب والأكثر أثرًا هو أن يبدأ كل واحد منا بنفسه، وأن يسأل: ماذا يمكنني أن أقدم؟ وما الذي ينبغي أن أغيره في سلوكي قبل أن أطالب الآخرين بالتغيير؟

 

إن السودان، وهو يتطلع إلى مرحلة التعافي وإعادة البناء، يحتاج إلى خطاب يجمع ولا يفرق، ويبني ولا يهدم، ويزرع الأمل بدلًا من اليأس. وهذا الخطاب يبدأ من قناعة راسخة بأن الإصلاح مسؤولية مشتركة، وأن الوطن لن يتغير ما لم نتغير نحن أولًا.

 

ويبقى الدرس الذي لا يفقد قيمته مهما تغيرت الظروف: إن الانشغال بالآخرين يستهلك الوقت ويبدد الجهد، أما الانشغال بإصلاح النفس فيبني الإنسان، وبناء الإنسان هو الطريق الأقصر لبناء الوطن. وما أحوج السودان اليوم إلى مواطنين يجعلون من العمل والإخلاص والانضباط منهجًا، ومن إصلاح الذات نقطة الانطلاق نحو مستقبل أكثر أمنًا واستقرارًا وازدهارًا.

اعتني بنفسك واترك خبر غيرك فوىاؤ الخبر مخبر فلا تضيع وقتك في البحث عن المخبر فله خالق وهو مدبر الكون والله يهدي الي سواء السبيل .

زر الذهاب إلى الأعلى