مقالات الرأي

عبداللطيف السيدح .. يكتب ،، في ليلة تباريح الهوى، والوداع المؤلم، لم يسقط إلا النحو!

 

كان كل شيء في ليلة فندق كراون بلازا بجدة أنيقا، جميلا، مرتبا، ومفعما بروح الوفاء، إنها ليلة الأربعاء11/4، الاستثنائية بجدة، ففيها رأينا القلوب تريد الخروج من أجسادها، والمشاعر تكاد تغرق مكان المحتفى به، وكانت بحق ساعات مشحونة بالعرفان، والمودة، ليلة تداعى إليها نفر كريم من أبناء السودان المقيمين بالمنطقة الغربية من أجل الإحتفاء، والتكريم، والوداع لسعادة السفير الدكتور كمال علي عثمان طه، لحظات مرت بسرعة البرق الخاطف لكنها حشدت كميات مهولة من المحبة التي تليق برجلٍ ترك في ذاكرة أبناء وبنات الجاليات المتعددة بمدن المنطقة الغربية أثرا عصيا على النسيان.

لقد نالت ألف ليلة وليلة على شاطئ عروس البحر، الدرجات الكاملة في امتحان الأناقة والتنظيم، وحسن الإعداد، والاستقبال، والاجلاس، والضيافة، وغابت الوجوه المتجهمة، وحضرت الابتسامة الجميلة بدء من مدخل كراون بلازا، حتى الصعود إلى الدور السادس بقاعته الأنيقة، التي ازدادت بهاء بالشاشة المزدانة بصورة المحتفى به وشعار المناسبة المعبر عن الحب الصادق ، مرورا بخيمة جمعية التراث التي أضفت على المكان نكهة سودانية أصيلة، ليزهو بالحضور النوعي الذي اختير بعناية، كي يكون شاهدا على ليلة من ليالي جدة الساحرة ، وتبادل المحبة، وتجديد العهد بين دبلوماسي استثنائي ورعاياه الذين أحبوه وأحبهم، فكان الوداع أقرب إلى تجديد علاقة منه إلى إعلان نهاية مهمة.

لقد كان كل شيء في مكانه الصحيح، إلا النحو، الذي قاده حظه العاثر للوقوع بين مطاريق الكسر”الكع” وسنادين الضرب المبرح، وبينما ذرف المحتفون الدمع الوفير على فراق السفير، فقد تعرضت قواعد اللغة العربية في ذات الأمسية لهجوم كاسح، ولم تجد مرفوعاتها، ولا منصوباتها ولا مجروراتها من يحمي حماها، الإ همسا، وتأوها، وزفيرا ساخنا يخرج من بين الحناجر المتألمة، لقد سحقت أقدام بعض الذين ساقهم حظهم العاثر إلى منصة المسرح التي لا يصعدها عادة إلا صفوة الصفوة من العلماء، والأدباء، والإعلاميين، ممن يعرفون للكلمة مقامها، وللمنبر هيبته، وللجمهور قدره.

لقد سمعت أثناء دقائق الهرس للغة العربية المظلومة الوحيدة في تلك الليلة بعض الصحفيين الذين استشاطوا غيظا على مصرع النحو، ولم يبق لهم إلا نداء سيبويه ليخرج من مرقده، إن السنة الصحفيين عند لحظة الغضب، تتجاوز طولا حبال بواخر بسام شيبينغ الراسية في أحواض ميناء جدة الإسلامي، لقد كان الاسترسال سيد الموقف، والاستطراد ضيفا ثقيلا، وقواعد العربية ضحية لا بواكي لها.

ومع ذلك، لم يكن في الأمر ما ينال من جمال المناسبة، ولا ما ينتقص من قدر المحتفى به، فالأحداث الكبيرة لا تخلو من هنات صغيرة، والليالي العامرة لا يعكر صفوها بعض العثرات العابرة، لكن المنصة مسؤولية، والكلمة أمانة، والحديث أمام قامات بهذا المقام يستوجب قدرا من الإعداد والاختصار وحسن اختيار العبارة.

أما صاحب الليلة، الدكتور كمال علي عثمان طه، فقد كان هو النجم الساطع، والعنوان الأبرز، والحضور الأعمق، والمعنى الذي اجتمعت من أجله كل تلك القلوب.

فالرجل لم يتعامل مع موقعه الدبلوماسي باعتباره وظيفة تؤدى، أو بروتوكولا يمارس، أو مكتبا تنجز فيه المعاملات، بل جعله جسرا إنسانيا ممتدا بين وطنين وشعبين شقيقين. اقترب من الناس، وفتح أبواب التواصل، واستمع، وسعى، وبذل، وترك من خلفه رصيدا من المحبة لا تصنعه القرارات الإدارية، ولا تمنحه الأوسمة، إنما تجمله المواقف الصادقة، ولعل أبلغ ما في تلك الأمسية أن التكريم لم يكن برنامجا احتفاليا أُعد بعناية، ولا كلمات قيلت في حق سفير سيغادر موقعه، لكنه كان استفتاء عمليا على تجربة دبلوماسية استثنائية. فقد جاءت المحبة من مختلف أطياف المجتمع السوداني، وحضر أهل العلم والفكر والثقافة والإعلام، وتجاورت القامات، وتصافحت الأجيال، في مشهد يؤكد أن الرجل لم يكن قنصلا فقط ، إنما كان عروة وثقى للمودة بين الناس.

نعم سيغادر الدكتور كمال محطة جدة، بيد أنه لن يغادر وجدان أهلها. وسينتقل إلى المملكة الأردنية الهاشمية سفيرا فوق العادة، حاملا معه تجربة عامرة بالعطاء، وذاكرة مشبعة بالود، ودعوات صادقة بأن يوفقه الله في مهمته الجديدة.

أما الذين اجتهدوا في إعداد هذه الليلة، فقد أحسنوا وأجادوا، ووضعوا للوفاء إطارا يليق بصاحبه، وأثبتوا أن المجتمعات الحية تعرف كيف تكرم رجالها، وكيف تحفظ الجميل لأهله، فشكرا لكل من خطط، ونظم، وشارك، وحضر، وأسهم في صناعة هذه اللوحة البديعة.

وشكرا للدكتور كمال، الذي جعل من عامين في جدة حكاية أكبر من الزمن، وأعمق من المنصب، وأبقى من مراسم الوداع.

وفي الختام، لا بأس أن نسجل ملاحظة عابرة في دفتر تلك الليلة، لقد نجح التنظيم، وتألق الحضور، وانتصر الوعد الصادق ، وارتقت المناسبة إلى مقام المحتفى به، ولم يسقط إلا النحو، وحتى النحو، إنصافا له، يستحق اعتذارا جماعيا، فقد كان الغائب الوحيد في ليلة حضر فيها الجميع. فشكرا للنحو الذي شاركنا الفرحة رغم آلامه الشديدة.

عبد اللطيف السيدح

زر الذهاب إلى الأعلى