مقالات الرأي

مساحة حرة _المعز الرشيد ابراهيم .. يكتب الشرطة حين تتحول إلى جسر

 

 

لم تكن مبادرة شرطة ولاية الخرطوم لترحيل المواطنين بمركباتها مجرد استجابة عابرة لأزمة مواصلات، بل كانت رسالة دولة في زمن الحرب، تقول للمواطن: أنت لست وحدك.

في الخرطوم، حيث تآكلت وسائل النقل، وارتفعت كلفة التنقل، وصارت الحركة اليومية معركة أخرى تضاف إلى معارك المواطن للبقاء، جاءت الشرطة لتملأ فراغاً لم يكن فراغها أصلاً. فالدور الأمني، في جوهره، ليس حراسة الشوارع فقط، بل حراسة الحياة فيها.

إن ما فعلته شرطة الخرطوم يتجاوز حدود العمل الشرطي التقليدي. فالمركبة الشرطية التي اعتاد الناس أن يروها رمزاً للضبط والرقابة، تحولت اليوم إلى وسيلة نجدة، تحمل الطالب إلى جامعته، والموظف إلى عمله، والمريض إلى مشفاه، والعائد إلى بيته. وهنا تكمن قوة المبادرة: أنها كسرت الصورة النمطية للشرطة، وأعادت تعريف العلاقة بين رجل الشرطة والمواطن،، إلى علاقة ثقة وشراكة.

وليس هذا غريباً على شرطة ظلت، منذ اندلاع الحرب، في مقدمة الصفوف، تحمي، وتؤمّن، وتسند، وتحتسب. فمن تأمين الأحياء العائدة، إلى مكافحة الجريمة، إلى ضبط الأسواق، إلى هذه المبادرة الإنسانية، تؤكد الشرطة أنها ليست جهازاً ينتظر البلاغ، بل مؤسسة تبادر قبل أن يُطلب منها.

*ولم يتأخر صدى المبادرة في الشارع.* فقد وجدت إشادة واسعة من المواطنين، الذين عبروا عن ارتياحهم الكبير لهذه الخطوة، واعتبروها لفتة إنسانية صادقة خففت عنهم عبء التنقل وكلفة المواصلات. مواطنون قالوا إنهم لمسوا الشرطة قريبة منهم وآخرون وصفوا المبادرة بأنها أعادت لهم الثقة، وأكدت أن رجل الشرطة هو السند وقت الشدة، لا مجرد رجل قانون في نقطة ارتكاز.

بل إن كثيراً من المواطنين رأوا في المبادرة دليلاً عملياً على أن الشرطة تشعر بمعاناتهم وتشاركهم همومهم اليومية، فكانت عبارات الشكر والدعاء حاضرة على ألسنتهم في المواقف والشوارع، وفي وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تحولت المبادرة إلى حديث الناس، ومصدر فخر واعتزاز.

المبادرة أيضاً، في سياقها الأعمق، هي فعل أخلاقي. ففي ظل أزمة المواصلات التي استغلها البعض لرفع الأسعار ومضاعفة معاناة الناس، كان تدخل الشرطة بمثابة كبحٍ للجشع، وإعادةٍ للتوازن، وتأكيدٍ بأن الدولة حاضرة بكل مؤسساتها، وأن المواطن أولوية وليس هامشاً.

ومع ذلك، فإن قيمة هذه المبادرة لا تقاس بعدد المركبات التي تحركت، ولا بعدد المواطنين الذين تم ترحيلهم، بل تقاس بما زرعته في النفوس: أن الشرطة من الناس، وللناس. وأن الوطن يُبنى بمثل هذه المواقف الصغيرة في ظاهرها، العظيمة في أثرها.

 

لقد أثبتت شرطة ولاية الخرطوم أن الأزمة لا تُقاس بحجمها، بل بطريقة التعامل معها. وأن من يحمل السلاح لحماية الوطن، قادر أن يمد يده لحمل المواطن أيضاً.

 

وهذه هي الشرطة التي نريدها: قريبة، حاضرة، إنسانية.

زر الذهاب إلى الأعلى