أعمدة الرأي

عمر محمد عثمان .. يكتب … تفجير أجهزة البيجر في لبنان: الهجمات السيبرانية والتحديات المستقبلية  

 

أمس الثلاثاء الموافق 17 سبتمبر 2024، شهد لبنان حوادث مروعة، حيث انفجرت أجهزة البيجر التي يستخدمها عناصر حزب الله بشكل متزامن، مما أدى إلى مقتل تسعة أشخاص على الأقل وإصابة نحو ثلاثة آلاف آخرين. وقد تردد أن الهجمات السيبرانية التي شنتها إسرائيل كانت وراء هذه التفجيرات، حيث تم تفخيخ أو تفجير بطاريات الهواتف المحمولة المستخدمة من قبل عناصر وقيادات حزب الله.

 

هذه الحادثة تفتح الباب واسعًا للتفكير حول طبيعة الحروب المستقبلية، ودور التكنولوجيا الحديثة والذكاء الاصطناعي في إدارة الصراعات. في الوقت الذي تتزايد فيه الهجمات السيبرانية بشكل كبير، تصبح الحدود التقليدية للمعارك غير واضحة، ويبرز استخدام الأدوات التكنولوجية مثل الهواتف، البيجر، والأنظمة الذكية كأدوات سلاحية جديدة. السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: كيف يمكن للدول والمنظمات أن تتعامل مع هذه الحروب التي تعتمد على التكنولوجيا المتقدمة؟

 

في هذا السياق، لا بد من الإشارة إلى أهمية أنظمة الدفاع السيبراني، التي تعد ضرورة قصوى في عصر الحروب الرقمية. فالتحديات المستقبلية قد لا تقتصر فقط على الهجمات التقليدية.

 

التشريعات السودانية ومواجهة الجرائم السيبرانية إذا ما أخذنا هذه الحادثة كمثال، نجد أن التشريعات الوطنية لمواكبة التطور السريع في الجرائم المعلوماتية ليست كافية في العديد من الدول. في السودان، على سبيل المثال، تم إصدار أول قانون للجرائم الإلكترونية في عام 2007، تحت مسمى “قانون جرائم المعلوماتية”، ثم صدر قانون جديد في عام 2018 لمواكبة التطورات السريعة في هذا المجال.

 

اللافت هنا هو لجوء المشرع السوداني إلى تعديل القانون خلال فترة قصيرة من الزمن، ما يعكس حجم التحدي الذي تشكله الجريمة الإلكترونية. فالتطور التكنولوجي السريع يفرض على المشرعين مواكبة الجرائم الحديثة بسن قوانين جديدة أو تعديل القوانين الحالية.

 

الجريمة السيبرانية والقتل: تساؤلات قانونية

تفجيرات أجهزة البيجر في لبنان تطرح تساؤلات قانونية هامة حول مدى قدرة التشريعات الحالية على مواجهة الجرائم السيبرانية التي تؤدي إلى قتل أو إلحاق الأذى الجسدي. فعلى سبيل المثال، القانون الجنائي السوداني لسنة 1991 عرف الجريمة بشكل عام، بينما قانون جرائم المعلوماتية لم يتطرق لتعريف مباشر للجريمة المعلوماتية، لكنه عرف المعلوماتية وجرم مجموعة من الأفعال المحددة على سبيل الحصر والتى ليس من بينها جريمة القتل.

 

إذن، السؤال الذي يبرز هنا هو: ماذا عن جريمة القتل التي ترتكب عبر وسائل إلكترونية أو معلوماتية، كما حدث في لبنان؟ هل يمكن إدراجها ضمن الجرائم السيبرانية، أم ينبغي تعديل التشريعات الجنائية لتشمل الجرائم التي يتم تنفيذها بوسائل تقنية حديثة؟

 

بحثي الأكاديمي لنيل درجة الماجستير في العام ٢٠١٦م كان عن “الأدلة الجنائية المتحصلة من الحاسوب وحجيتها في الإثبات” ، والآن أعمل على رسالة دكتوراه تتناول “المواجهة التشريعية والأمنية للجريمة الإلكترونية على الصعيدين المحلي والدولي” . أحد المحاور الأساسية في هذا البحث هو محاولة الإجابة على السؤال: هل نحن بحاجة إلى تشريع منفصل يجرم الجرائم المعلوماتية بشكل صريح، أم يمكن الاكتفاء بتعديل القانون الجنائي ليشمل الجرائم التي ترتكب بوسائل إلكترونية؟

 

في ظل التحديات المتزايدة، قد يكون من الأنسب إدراج نص جديد ضمن القانون الجنائي، ينص على تشديد العقوبة إذا ارتكبت الجريمة باستخدام وسائل معلوماتية. هذا الاتجاه قد يساهم في تقوية التشريعات الوطنية لمواجهة الجرائم السيبرانية، وضمان عدم وجود ثغرات قانونية قد يستغلها المجرمون.

 

ختاماً تفجيرات أجهزة البيجر في لبنان تعتبر جرس إنذار للحكومات والمؤسسات الأمنية حول العالم. فالتكنولوجيا لم تعد وسيلة تواصل وحسب، بل أصبحت سلاحًا يمكن استخدامه في الحروب السيبرانية. لذلك، يجب على الدول أن تتبنى استراتيجيات دفاعية متطورة وتحديث تشريعاتها القانونية لتواكب التطور السريع في الجريمة المعلوماتية.

 

١٨ سبتمبر ٢٠٢٤م

زر الذهاب إلى الأعلى