مقالات الرأي

عميد شرطة (م) عمر محمد عثمان    في مواجهة الاتهامات الإسفيرية والتقدير للمسيرة المهنية

 

تابعتُ كغيري من ضباط الشرطة المتقاعدين والمواطنين ما تداولته وسائل التواصل الاجتماعي مؤخراً حول سعادة الفريق أول شرطة عنان حامد، وزير الداخلية ومدير عام قوات الشرطة السابق. ما أثارته هذه الوسائل من اتهامات وتحليلات متعددة يمكن تصنيفها ضمن دائرة الأقوال المرسلة بلا شاهد يؤكدها ولا دليل يعضدها، والتي يمكن الرد عليها إذا جاءت من قبل الجهات الرسمية المختصة. أما التعامل مع هذا الأمر عبر منشورات إسفيرية ومقالات فهو جدل لا نهاية له.

 

الحرب التي تمر بها البلاد فعلت ما فعلت بالشعب والوطن، إذ تسببت في مآسٍ لا يمكن وصفها، لكنها لم تسقط الدولة ولا مؤسساتها. ورغم الظروف العصيبة، فإن مؤسسات الدولة تعمل وتقوم بمهامها. ولعل تصريح أحد قادة الشرطة مثالٌ على المواقف الرسمية الحاسمة، إذ برأ ساحة الوزراء السابقين من أي تجاوزات في منح الهوية السودانية لأجانب. جاء ذلك في سياق مؤتمر صحفي للتنوير حول ورشة “الوجود الأجنبي ومراجعة الهوية” التي عُقدت في مارس من العام الماضي.

 

وفي الوقت ذاته، فإننا نحترم الرأي العام ونتفهم مشاعر الغضب التي قد تنتج عن ما يُثار من قضايا حساسة كهذه. ومع ذلك، من الواضح أن هذا الرأي العام قد تشكل بناءً على معلومات غير صحيحة أو ناقصة. ومن الجيد أن كثيراً من الأقلام الوطنية عبّرت عن وجهة النظر الأخرى التي أنصفت الرجل ووضعت الأمور في نصابها الصحيح، وهو ما يؤكد أهمية التوازن في تناول مثل هذه القضايا.

 

في هذا السياق، تجدر الإشارة إلى القاعدة الفقهية القانونية “اليقين لا يزول بالشك”، والتي تنطبق تمامًا على هذه الأقوال المرسلة. ما لم تخرج الأجهزة الرسمية المختصة بنتائج واضحة ومثبتة بأدلة قاطعة، فإن مجرد الشكوك أو المزاعم لا يمكن أن تهدم اليقين المتعلق بنزاهة الشخص أو أدائه. لذلك، فإن إطلاق الأحكام القطعية دون سند أو دليل يُعد خروجًا عن الإنصاف والموضوعية.

 

ولا نقول “المتهم بريء حتى تثبت إدانته”، لأن هذه العبارة تُقال في حال وجود إجراءات رسمية واتهام صادر عن السلطات المختصة، الأمر الذي لم يحدث لا تصريحاً ولا تلميحاً. أما في غياب ذلك، فإن ما يثار في الوسائل الإسفيرية يظل مجرد ادعاءات لا يجوز التعامل معها وكأنها حقائق أو إطلاق الأحكام بناءً عليها.

 

سعادة الفريق أول شرطة عنان حامد، كغيره من البشر، يخطئ ويصيب، وقد تولى قيادة الشرطة في ظل ظروف صعبة تمر بها البلاد. ولا شك أن فترة خدمته تستحق التقييم الموضوعي، لا سيما أنها شهدت قرارات مهمة، منها الاختراق الكبير في قضايا المحالين للصالح العام والمتقاعدين من ضباط الشرطة. ومن جانب الدولة، فقد منحته نجمة الإنجاز تقديراً لجهوده.

 

الثابت أن الفريق أول عنان لم يكن في السودان وقت اندلاع الحرب، إلا أنه عاد لاحقاً وعمل ما بين بورتسودان ووادي سيدنا. وبعدها، وضمن سياسة الإحلال والإبدال، تولى القيادة من بعده سعادة الفريق أول شرطة خالد حسان محي الدين، الذي قاد الشرطة بحكمة واقتدار متجاوزاً أصعب المحطات في سياق استرداد خدمات الشرطة والمشاركة في العمليات العسكرية.

 

إن مسيرة الشرطة السودانية الممتدة لأكثر من مائة عام غنية بإرثها وتقاليدها، التي علمتنا احترام الأقدمية وسلسلة القادة الذين تعاقبوا على القيادة. النقد البناء والتقييم الموضوعي لمسيرة أي قائد هما السبيل الحقيقي للتعلم والتطور، وليس الانجرار وراء سيل من الاتهامات غير المؤكدة التي تفتقد إلى المنهجية والإنصاف.

هناك أمر آخر مهم، وهو قضية ضباط الشرطة المحالين للصالح العام، أو ما عُرف بـ”كشف 2020”. لقد كتبتُ من قبل عن هذه القضية عدة مرات، وناديت بحلها داخل البيت الشرطي في إطار تسوية تنصف هؤلاء الضباط. وقبل عدة أيام، علمت بوجود عرض لتسوية القضية مقدم من لجنة مختصة. من جانبي، أشجع على التعاطي الإيجابي مع هذا العرض، وفي نهاية المطاف يبقى الأمر متروكاً لأصحاب المصلحة وفق تقديراتهم.

 

ختامًا، أتمنى أن نلتزم جميعاً بتقدير مسيرة قادة الشرطة ودورهم في الحفاظ على الأمن والنظام في أصعب الأوقات، وألا نسعى للانتصار لذواتنا الفانية. بل يجب أن نركز جهودنا ونصوبها نحو هدف واحد أسمى، وهو الانتصار على مليشيا الدعم السريع المتمردة والإرهابية.

 

٦ يناير ٢٠٢٥م

زر الذهاب إلى الأعلى