أُسَيْدِيات الثلاثاء عثمان الشيخ الأُسيْد يكتب النبلاء السودان في العصر النبوي و الراشدي و الأموي و العباسي(4)

(سودان العصر الأموي)
عطاء بن أبي رباح
عند خروجنا من مسجد الحسن البصري، سمعنا ضوضاءَ وشاهدنا جمعًا غفيرًا من الناس، صبيان وشباب وكهول وشيوخ، جاءوا جميعهم، شريفهم ووضيعهم، ولم يتخلَّف منهم أحدٌ. شاهدنا وسطَ هذا الحشد رجالًا أقوياء يشكلون دائرةً امنيةً يتوسطها رجلٌ اسودُ اللون، أعورُ العين، افطسُ الانف ، اشلُّ اليد، اعرجُ القدم. الحراس يصرخون في الناس: إفسحوا الطريق.. إفسحوا الطريق) علق يوسف قائلا جملته المشهورة: (سبحان المعبود!) سالت يوسف: هل أنت معي تسمع وترى؟ قال: بلى، ثم استدرك وقال: ( نعم) قلتُ له: لقد استفدتَ من درسِ الأخضر اللهبي. سألنا عن هذا الذي يحدث، وكيف لنا ان نعرف شيئًا؟ فلا المَقام يفسح ولا المُقام يسمح (المَقام بفتح الميم هو المكان الذي يقوم به الإنسان، والمُقام بضم الميم هو المكان الذي يقيم فيه الإنسان) ولكن اكرمنا الله بالإجابة، اذ سمعنا رجلًا يقول لصبي: أُركض واخبر اباك أن عطاءً بن أبي رباح وصل، وبعد قليل سيُفتح بابُ الفتاوي، رد الصبي بأن اباه موجودٌ وسطَ هذا الزحام.. قلت للرجل: (ونِعم بالله) ولكن الحسن البصري موجود فلماذا كل هذا؟ قال الرجل: هذا عطاءٌ الذي خاطبَ فيه ابنُ عباس أهلَ مكةَ بقوله: تجتمعون إليَّ يا أهل مكة وعندكم عطاء، هذا الذي امر بني امية الحجيج ألَّا يسألوا أحدًا عن مناسك حجهم وعن الفقه إلا عطاء بن أبي رباح، الذي انتهت إليه الفتوى في مكة! هذه المرة أنا الذي قلت (سبحان المعبود) قال يوسف: تدخلت في صلاحياتي سأتدخل في صلاحياتك وسأبدأ بدلًا عنك الحوار مع عطاء بن أبي رباح. تقدم بكل ثقة، لكن هذا الرجل الذي كان بجوارنا ويسمع حوارنا، أمسك بيوسفَ من يده ومنعه من التقدم، قائلًا له: عطاءٌ اشاحَ بوجهه عن الخليفة الأموي هشام بن عبدالملك، فهل يقبل ان يجري حوارًا مع غيره؟ قال يوسف: وكيف أشاح بوجهه عن الخليفة، وما السبب؟ أجاب الرجل: يروي الخطيب البغدادي في كتابه ‘الفقيه والمتفقه‘- أن هذا “الفقيه الأسود” جاءه الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك ومعه إبناهُ، فأشاح عطاء بوجهه عنهم، “فما زالوا يسألونه عن مناسك الحج وقد حوّل قفاه إليهم، ثم قال هشام لابنيْه: قُوما، فقاما، فقال: يا بني لا تَـنِيَا ( تُقصِّرا) في طلب العلم، فإني لا أنسى ذلّنا بين يديْ هذا العبد الأسود. قلت ليوسف لعله رأى في الخليفة شيئًا لم يُعجبه، وهذا لا يعنى أنه لن يقبل الحوار معك. على كل حال فُتح بابُ الأسئلة والفتوى، وعطاءٌ يجيب بكل ثقة ودقة، أما يوسف، فقد اختفى وسط الزحام، ثم شاهدتُه واقفًا مشدوهًا يسمع الاسئلةَ ويسمع اجابات عطاء عليها، تقدمتُ نحوه ثم ربَّتُ على كتفه وقلت له: لنذهب ونلتقيَ بعَلمٍ آخر من سودان في هذا الشجن… توفي عطاء في عام 114 هجري عن عمر ناهز الثامنة والثمانين.
*يزيد بن أبي حبيب:*
(هو يزيد بن أبي حبيب وُلد بعد سنة خمسين للهجرة في خلافة معاوية بن أبي سفيان بالفسطاط)
قال يوسف: عندي لك مفاجأة! أنَّ واحدًا من جماعتكم موجودٌ هنا، قلت له: ما ذا تقصد ب(من جماعتنا؟) قال لي من دنقلا: قلتُ له: وكيف عرفت قال: قابلني رجلٌ في حلقة عطاء بن رباح، وعرف سبب زيارتنا لهذا الشجن فأخبرني ودلني على مكانه، وقال إنَّ اسمه يزيدُ بن حبيب، قلت له: نعم، إسمُ (يزيد) عندنا، ولا زال متداولًا في دنقلا حتى الآن، وكذلك أسم (حبيب) أين هو؟ قال: تعال معي.. وصلنا إلى مكانه، قال يوسف: أُنظر إليه، وكيف انه يشبه عمك مبارك الدنقلاوي، ضحكت، وقلت له: كأنه هو! إقتربنا منه، ألقيتُ عليه تحيةَ أهل النوبة (ميسكاقنو) فقام فرحًا و مندهشًا و مندفعًا نحوي وأخذني بالحضن، وهو يردُ التحيةَ بلغة النوبة وسلم على يوسف بنفس الكيفية، ثم بدأ يفسح لنا المجال في المجلس ببشاشة، مرددًا عبارات الترحيب. بعد أن جلسنا، بدأ يسألني عن حال أهل دنقلا، وكيف كان حالهم مع محمد بن مروان آخر خلفاء بنى أمية، وأنا أجيب على الكثير وأجهل الأكثر. قلت له: حَكَم مصرَ من بعدكم رجلٌ أسود، يقال له (كافور) وكان أكثرُ جيش مصر في زمن كافور من سودان مصر، وكان جيشُ دنقلا بالطبع من السودان، إلتقى الجيشان، تخيَّل هذا المشهد شاعرٌ فأنشدَ:
ولما غزا كافور دنقلة غدا…. بجيش كطول الأرض في مثله عرض..
غزا الاسود السودان في رونق الضحى… فلمّا التقى الجمعان اظلمت الارضُ..
ضحك يزيد وقال: ذلك يومٌ لم أشهده، ثم نهض وتوجه نحو الداخل، قلنا: بالله نرجوك نحن لا نريد أي ضيافة، تكفينا مقابلتك، واصل يزيد مسيره نحو الداخل كأنه لم يسمع شيئًا، استغلّ يوسفُ هذه الفرصة، وتوجه بسؤاله فورا الي الشاب الذي كان يجلس صامتًا: انت ولد الشيخ يزيد؟ رد الشابُ قائلًا: لا، أنا ابن اخته، أحضر لخالي في أوقات فراغه، أتعلم منه العلم، قال يوسف: عرفنا بعلم خالك، وما ذا يعمل حاليًا؟ قال: خالي يزيد فقيهٌ ومحدث من الثقات، اخذ العلمَ عن بعض الصحابة وكبار التابعين الذين اقاموا بمصر، قلت له: ما ذا تقصد (بالعلم) أي أنواع العلوم؟ قال الشاب، كان يزيد عالمًا بالفقه والحديث، عالمًا بالتاريخ و بالفتن والحروب وما يتعلق بفتح مصر وشؤونها وولاتها. وكان مفتي مصر في زمانه، وهو أول من أظهر بها الفقه، وهو عند أهل الحديث ثقة، وهو الآن مفتي الديار المصرية، قال يوسف(سبحان المعبود!) قبل ان يعودَ إلينا الشيخ يزيد بن حبيب، دخل رجلٌ اسود، ممشوق القامة، جاد ملامح الوجه، ألقى علينا تحية الإسلام، ثم واصل مسيره الى الداخل، وقبل ان نسأل الشاب، سالنا هو، هل عرفتم من هذا ؟ قال يوسف لا ، وقلت انا لا، قال هذا صاحب أعظم حوار في التاريخ، هذا من قتله الحجاج. قلتُ له: الحجاج قتل ما يزيد عن 120 ألفًا، عدا الذين قُتلوا في الحروب والسجون.. ومنهم عدد من كبار الصحابة، قال يوسف عبارته المشهورة: (يا ستار استر!!) قال لنا الشاب: هذا من كبار التابعين الذين قتلهم الحجاج، إنه شخصية إسلامية عظيمة، إنه من التابعين السودان إنه… في الحلقة القادمة إن شاء الله..
مات يزيد سنة ثمان وعشرين للهجرة، رحمه اللهُ وغفر له..
والله أعلى واعلم..
25 مارس 2025م
25 رمضان 1446هج


