الإعلام بين الحق في النقد والتدخل في شؤون الشرطة بقلم عميد شرطة (م) عمر محمد عثمان

بسم الله الرحمن الرحيم
في ظل الأحداث المتسارعة التي تمر بها البلاد، أصبحت قضايا الشرطة حاضرة بشكل شبه يومي في الإعلام، وهذا أمر طبيعي بالنظر إلى الدور المهم الذي تضطلع به الشرطة في حماية المجتمع وحفظ الأمن. فالإعلام يُعد شريكًا أساسيًا في دعم الاستقرار، ومن حقه أن يسلّط الضوء على التحديات وأن يُبدي ملاحظاته متى دعت الحاجة، وبأسلوب مهني يهدف إلى البناء لا الهدم.
لكن في بعض الأحيان، نلاحظ أن هذا الدور الإعلامي يتجاوز النقد الموضوعي إلى تناول تفاصيل مهنية تتصل بطبيعة العمل الشرطي بشكل مباشر، كالتخطيط الميداني، أو توزيع القوات، أو الإجراءات الإدارية الداخلية، وهي جوانب فنية يُفترض أن تُدار داخل المؤسسة نفسها، بحكم طبيعتها الخاصة وتقديراتها المستندة إلى معطيات وتقارير إدارية و ميدانية دقيقة.
ليس الهدف هنا أن نجعل الشرطة بمنأى عن المراقبة أو المحاسبة، بل على العكس، الشفافية مطلوبة، والثقة بين المواطن والمؤسسات الأمنية لا تُبنى إلا بالحوار المفتوح والتواصل المستمر. لكن من المهم أن نفرّق بين النقد البنّاء الذي يُسهم في تحسين الأداء، وبين الدخول في ما يُعد اختصاصًا مهنيًا دقيقًا قد لا تتوفر بشأنه كل المعلومات لمن هو خارج الجهاز الشرطي.
الشرطة، تُعتبر من مؤسسات الدولة الصلبة، أي المؤسسات التي تبقى قائمة ومتماسكة في أوقات الأزمات وتنهض بدور محوري في حفظ كيان الدولة عند تعرضها للهزات. وفي هذه الظروف الاستثنائية التي نعيشها، يكون الحفاظ على استقرار هذه المؤسسات واجبًا وطنيًا.
المرحلة التي نمر بها تتطلب قدرًا عاليًا من التوازن في تناول الموضوعات الحساسة، خصوصًا تلك المتعلقة بالوضع الأمني وشؤون القوات النظامية. فالمعلومة أحيانًا تكون ناقصة، والتقدير من الخارج قد لا يعكس الصورة الكاملة. لذلك، من الأفضل أن يكون الحوار الإعلامي حول الشرطة قائمًا على التفاهم والتكامل، لا على التصادم أو التفسير السلبي للنوايا.
في الختام، نحن بحاجة لإعلام مسؤول، يراعي طبيعة الظرف، ويطرح قضاياه بموضوعية. وبالمقابل، يجب أن تظل الشرطة منفتحة على الرأي العام، وأن تعزز أدواتها الإعلامية لتوضيح الحقائق والرد على التساؤلات. فالعلاقة بين الطرفين، إذا بنيت على احترام الأدوار وتقدير المهام، فإنها بلا شك ستسهم في تعزيز الثقة العامة، ودعم مؤسسات الدولة في هذه المرحلة الدقيقة.
٤ يوليو ٢٠٢٥م


