أعمدة الرأي

كابتن محمد حسن الطاهر يكتب سياسة “وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين 

 

في خضم تشابكات السياسة وتعرجات الواقع، تبرز مقولة “وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين” كنقطة ضوء تكشف التفاعل العميق بين القيم الروحية والنهج السياسي. هي ليست فقط عبارة قرآنية تاريخية وردت على لسان إخوة يوسف، بل مرآة تعكس آليات الشك والريبة حين تتقاطع النوايا الصادقة مع حسابات المصالح والرغبات.

 

—

 

*🌿 الصدق نتيجة الإيمان*

 

في السياسة كما في الحياة، لا يُثمر الصدق إلا حين تُروى جذوره بالإيمان. الإيمان هنا ليس فقط الاعتقاد الديني، بل الثقة في المبادئ، في الآخر، وفي قدرة الحق على الانتصار. حين ينتزع الإيمان من القلب، يُصبح الصدق مجرد ادعاء لا يُقنع، حتى ولو كان حقيقياً. وكم من الأصوات الصادقة كُذّبت لأن المستقبلين يفتقرون إلى الإيمان الكافي لتصديقها.

 

—

 

*🔁 الفعل وعقده نتيجة أحوال النفس*

 

السياسي لا يُقاس بكلامه وحده، بل بأفعاله. لكن تلك الأفعال لا تنفصل عن أحوال النفس: طموحاتها، مخاوفها، وجراحها. كل وعد وعقد يُبرم، إنما يُشكل انعكاساً لحالة داخلية. فإذا كانت النفس مريضة بالغرور أو الجشع، انعكس ذلك على السياسة تعقيداً ومراوغة. أما إذا اتسمت بالصفاء والرؤية، فإن الأفعال تتجلى بالحكمة والرحمة.

 

—

 

*🌌 الحياة مساحة للدهشة بتدخل قوى الغيب*

 

عندما تشتد الأزمات، وتتعقد الأمور إلى درجة الاستحالة، تتدخل قوى الغيب — ذاك التدخل الخفي المدهش الذي يغير الموازين. لحظة ظهور يوسف حياً، كانت لحظة تفوق المنطق السياسي وتخترق جدران الحسابات البشرية. في كل مشهد سياسي معقد، تبقى هناك مساحة للدهشة، للمفاجأة، ولانقلاب المشهد بتدخل لم يكن بالحسبان.

 

—

 

*🧭 السياسة بين يوسف وإخوته*

 

قولهم “إنك لأنت يوسف” يعكس لحظة انكشاف الحقيقة، حيث تتهاوى الأقنعة وتسقط الزيف أمام سطوع الصدق. السياسة التي تسير على خطى يوسف لا تُدار بالمكر، بل بالثقة، بالرحمة، وبالقدرة على تحويل الألم إلى أمل. أما سياسة الإخوة، فهي درس في كيف يُغطي الخوف على الصدق، وكيف يُضل الإنسان حين تسيطر عليه النفس الأمارة بالسوء.

 

—

 

في نهاية المطاف، تبقى السياسة حلبة تتصارع فيها القوى، لكن الأقوى فيها ليست من يملك النفوذ، بل من يملك الصدق المسند بالإيمان، والفعل المتحرر من عقد النفس، والإيمان بالدهشة حين يتدخل الغيب. فتلك هي السياسة التي تصنع الفرق.

زر الذهاب إلى الأعلى