أُسَيْدياتُ الثُلاثاء عثمان الشيخ الأُسيد رجال ونساء لم تسمع بهم على الأرجح (4 من هي، وما قصتها؟

شابةٌ عمرُها يقاربُ السابعة عشر عامًا، تُهاجرُ لوحدها من مكةَ المكرمة إلى المدينة المنورة في الليل، والطرقاتُ بين مكةَ والمدينةِ وعرةٌ ومليئةٌ بالسِباعِ والهوامِ والأشرار من الإنس والجن، والمسافةُ طويلة! قال يوسف: قبل أن نعرفَ تفاصيلَ قصتها، قل لنا من هي؟ ما اسمها؟ وهل هـي الممتحَنة بفتـــح (الحاء) أم هي الممتحِنة بكسر (الحاء)؟ قلت: الكلمة الأصح والأشهر لسورة في القرآن الكريم هي سورة الممتحَنة بفتح (الحاء) وهي تشير إلى أن المرأةَ هي التي تقع عليها عمليةُ الامتحان والاختبار، ومع ذلك، تُعرف أيضاً بسورة الممتحِنة بكسر الحاء، فتكون صفةً للسورة نفسها، حيث إنَّ السورةَ “تمتحن” إيمانَ النساء المهاجرات، كما سُميت سورةُ براءة بـ”الفاضحة. أما من هي، فهي (أم كلثوم بنت عقبة بن معيط )التي نزل فيها قوله تعالى: “يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن” (الآية 10 من سورة الممتحنة) قال يوسف: هل هي بنت عقبة بن أبي معيط الذي لقب (بأشقى القوم)؟ قلت: نعم، هو الذي أتى بأمعاء الشاة والقاذورات الموجودة في بطن الشاة ووضعها علي ظهر النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو ساجد؟ قلت نعم، وهو الذي لفَّ رداءَه وخنق به النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو يصلي فنقص الأكسجين عنه وأغمي على النبي، صلى الله عليه وسلم؟ قلت نعم، قال: هل هي أبنة عقبة بن معيط الذي بصق في وجه النبي -صلى الله عليه وسلم؟ قلت: نعم ياخي هي هي، قال يوسف: سبحان المعبود! قال وبالرغم من ضلال عقبة ابن أبي معيط ربنا أخرج من صلبه من يوحد الله، ويدخل الإيمانُ في قلبه؟ قلت: نعم ، ولكنها كانت بالطبع تكتم إيمانَها عن ابوها واخوتها (عمارة والوليد) قال يوسف: ثم ماذا؟ قلت ثم يأتي موعدُ الهجرة ويهاجر النبي علية الصلاة والسلام إلى المدينة، وأم كلثوم تريد أن تهاجرَ مع النبي- صلى الله عليه وسلم- لكنها تخاف من بطشِ أبيها، وكانت كلها شوق إلى الرسول- صلى الله عليه وسلم- وكانت ترسم الخططَ للسفر إلى المدينة، وفي موقعة بدر هلك أبوها عقبةُ بن معيط، وهنا شعرت بان عبءً نفسيًا كبيرًا قد زال عنها، فبدأت تفكر بارتياح، وبالفعل وضعت صورةً ذهنيةً لرحلتها من مكةَ إلى المدينةِ وتمسكت بها، ولكن- وبعد ان تصل إلى المدينة- هناك صلحُ الحديبية و الذي من شروطه: لو أن أحدًا ذهب للنبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة حتى يسلم فالنبي –صلى الله عليه وسلم- يرد الشخص ويرجعه إلى مكةَ، فتعلم أنها من المستحيل أن تهاجرَ للنبي- صلى الله عليه وسلم- إلى المدينة، ولو هاجرت، سيرجعها النبي إلى مكةَ من أجل شروط الصلح، ولكن وبالرغم من ذلك تقرر ام كلثوم أن تهاجرَ حتى لو أرجعها النبي إلى مكة. وبالفعل نفذت ما قررت، فهاجرت. قال يوسف: ولكن كيف؟ قلت: لنسمعَ مغامرة هجرتها منها هي نفسها.
روت “أم كلثوم” قصةَ هجرتها وقالت: “كنتُ أخرج إلى باديةٍ لنا فيها أهلي، فأقيمُ فيها الثلاثة والأربعة أيام، ثم أرجع إليهم فلا يُنكرون ذهابي للبادية، حتى أجمعتُ المسير، فخرجت يومًا من مكةَ كأنى أريد البادية، فلما رجع من تبعنـي (يبدو ان رقيبًا كان يتبعها حتى تصل إلى البادية) قالت فلما رجع الرقيب، لَقيني رجلٌ من خزاعة، قال: أين تريدين؟ قلت: ما مسألتك؟ ومن أنت؟ قال: رجلٌ من خزاعة، فلما ذكر خزاعةَ اطمأننت إليه لدخول خزاعة في عهد رسول- الله صلى الله عليه وسلم-. فقلت: إني امرأةٌ من قريش، وإني أريد اللحاقَ برسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا علم لي بالطريق، قال: أنا صاحبُك حتى أوردكِ المدينة. ثم جاءني ببعيرٍ فركبتُه حتى قدمنا المدينة، وكان خيرَ صاحبٍ، فجزاه الله خيرًا، انتهت روايتها… لازال أهلُها يظنون أنها في البادية- كعادتها- لكن عندما تأخرت عن موعد العودةِ، وشعر أهلُها بغيابها، خرجوا ليبحثوا عنها، فعرفوا أنها هاجرت إلى المدينةِ حيث أخبرتهم واحدةٌ من النساء أنها رأتها تسلك الطريق المؤدية إلى المدينة. لكن كان قد فات عليهم الأوان، فقد وصلت أم كلثوم المدينة. وبعد وصولها المدينة المنورة ذهبت للنبي -صل الله عليه وسلم- فاحتار في أمرها، والصحابةُ يقولون: كيف نرجعها إلى مكةَ يا رسول الله؟ والنبيُ، عليه الصلاة والسلام، صامتٌ ينتظر أمرًا من الوحي، فقد قال تعالى: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى) قال يوسف: انا أرشح بقوة أن يكون اسمُ السورة (الممتحِنة) بكسر الحاء لأنها سورةٌ ممتحِنة للرسول صلى الله عليه وسلم ولصحابته ولأم كلثوم، ثم قال يوسف: والله إنه لموقفٌ صعبٌ للغاية، ما الحل؟ قلتُ: جاء الفرجُ من السماء، جاء به جبريلُ الوحيُ من فوقِ سبعِ سماوات في أمرِ أم كلثوم وتنزل آيات سورة الممتحنة: « يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ ۖ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ ۖ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ ۖ لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ »،.. وينزل أمرُ الله من فوق سبعِ سماوات بأن أم كلثوم لا ترجع إلى مكةَ ويقبلها الله سبحانه وتعالى و يجزيها علي صبرها، فتتزوج ليس من أشراف مكةَ فقط بل، من عبدالرحمن بن عوف، أحدِ العشرة المبشرين بالجنة وأغنى أغنياء المدينة المنورة وأشرفهم.. تلك كانت قصة الممتحنة (أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط أشقى الناس) قلتُ ليوسف: ما تعقيبُك على هذه القصة؟ قال: ليس لي أحسنُ مما قال الله تعالى:
وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [النحل: 96]، وأيضًا: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ [الطلاق: 2-3]
قلتُ له: نعم (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا)
واللهُ أعلى وأعلم..
7 أكتوبر 2025م


