ريحة البلد دارفور ليس جرحا فقط ….بل ذاكرة وطن بقلم : د.سارة عبد العزيز

دارفور ليست خبرا عاجلا في شريط حرب
ولا جغرافيا تستدعى عند الكوارث فقط
دارفور فكرة سودانية خالصة وروح عميقة سكنت هذا الوطن قبل أن تثقلها السياسة وتشوهها البنادق
هي الأرض التي تعلم الصبر من اتساعها
والكرم من قسوة مناخها والتعايش من تنوع أهلها
في دارفور، للجمال تعريف مختلف
جمال لا يقاس بترف المدن
بل بصدق الإنسان
ترى الجبال واقفة كحكماء والسهول مفتوحة كقلوب أهلها والوديان تحفظ ذاكرة المطر
كما تحفظ النساء أسماء من رحلوا ولم يعودوا هناك،
الطبيعة ليست خلفية صامتة، بل شريك في الحياة، تحادث وتحترم وتنتظر
أهل دارفور يشبهون أرضهم أقوياء بلا ادعاء، كرماء بلا حساب، وحكماء بلا منابر. في بيوتهم المتواضعة تقدم القهوة قبل السؤال، ويؤمن الضيف قبل الاسم، وتحل الخلافات بالكلمة قبل أن تبلغ حد الخصومة
العرف هناك ليس بديلا للقانون، بل ضمير جماعي صاغته قرون من العيش المشترك
للإدارة الأهلية في دارفور مكانة لا تفهم إلا لمن عاشها
الناظر، والعمدة، والشيخ، ليسوا سلطة قهر، بل مرجعيات عقل، تحفظ التوازن بين الناس، وتطفئ النار قبل أن تشتعل في مجالسهم توزن الكلمات بميزان الحكمة، ويقدم الصلح على الثأر، والحق على العصبية
وعادات دارفور ليست طقوسا جامدة، بل أخلاق يومية
الفزعة ليست شعارا، بل ممارسة والتكافل ليس خطابا، بل خبز يقسم، وماء يشرب
وحزن يحمل جماعيا
حتى في أقسى الظروف، ظل المجتمع هناك ينتج الحياة، ويقاوم الانكسار بالتماسك
ظلمت دارفور حين اختزلت في صور الألم وحدها
وكأنها لم تكن يوماومنبعا للشعر، والغناء، والحكايات، والفرسان، والعلماء، والنساء الصابرات اللواتي ربين أجيالا كاملة على الشرف والعمل والاحتمال
ظلمت حين لم ير إنسانها
بل استخدمت مأساتها وقودا للخطابات
دارفور لا تطلب شفقة، بل عدالة لا تطلب وصاية، بل إنصافا
وما تحتاجه ليس إعادة اكتشاف، بل إعادة اعتراف
بأنها جزء أصيل من روح السودان
وأن سلام السودان لن يكتمل دون سلام دارفور ولا كرامة للوطن إذا أُهين أهله في أطرافه.
ستنهض دارفور
لأنها لم تسقط يوماً من وجدان أهلها
ستنهض بأرضها، وبإنسانها، وبقيمها التي قاومت الحرب أكثر مما قاومتها البنادق
وحين يحدث ذلك، سيكتشف السودان كله أن دارفور لم تكن جرحه فقط، بل كانت دائما اهم أسباب بقائه…..
ولنا عوده..


