أعمدة الرأي

أُسَيْدياتُ الثُلاثاء عثمان الشيخ الأُسيد يكتب لو قابلك ملحدٌ(3) 

 

(يهديك يرضيك الله يخليك…ويشيل … من عمري أنا… ويديك الله يخليك) بدأ الملحدُ يترنم بمطلع هذه الأغنية للمطرب المرحوم سيد خليفة، ثم قال لي: هل سيد خليفة كان يعلم أنه ممكن أن يأخذ اللهُ من عمره ويعطيه لمحبوبته لأنه قرأ حديثَ رسولِكم الذي قال فيه: (من أحب أن يُبسطَ له في رزقه وأن ينسأ له في أجله فليصل رحمه؟) أو لأنه كان بارًا بوالديه؟ لأن رسولكم قال: “لا يزيدُ في العمر إلا البر، ولا يرد القدرَ إلا الدعاء…” ثم يسألني بسخرية: كيف يزيد العمر ومكتوب في كتابكم (لكل أجل كتاب؟)أي الأجل مكتوبٌ ومحسومٌ أمره، ثم أعاد سؤاله السابق: رسولكم يقول إن الميَّتَ يُعذَّبُ ببكاء اهله عليه، فما ذنبُ الميتِ حتى يُعذَّب ببكاء أهله عليه، وعندكم آية في كتابكم تقول: وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى؟ غضب يوسفُ حتى انتفخت أشداقُه وفقد السيطرةَ وقال: هذا الملحد قد أتيتُ له بأكثرَ من دليلٍ من القرآن، ومن غيره في إشكالية يعلم ما في الأرحام وإشكالية أسم الرسول عليه الصلاة السلام (أحمد محمد ) لكنه لم يقتنع. قلت له: يوسفُ- أيها الصديق- مشكلةُ هؤلاء ليست في الدليل، بل في نواياهم، لا تغضب فإنَّ غضبَك هو ما يريده الملحد، ولا تنسَ أننا نستفيدُ من هذه الأسئلة منتهى الفائدة، فلا زلنا نقرأ ونبحث في كتبِ التفاسير وكتبِ التراث الإسلامي لنُجيبَ على أسئلته التي هي- فعلًا- تُسببُ إشكاليةً لكثير من الناس، ولكن- الحمدالله- أنَّ العلماءُ والمفسرين لم يتركوا إشكاليةً إلا أوضحوها للناسِ من الكتاب والسنة ممتثلين لقولَه تعالى: فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ [النساء:59] حتى المسلم الموحد لا بد له أن يسألَ ويعرف ليفهم دينَه وليردَ على الملاحدة. قال يوسف: حقًا ما جواب العلماء على مسألة الميت الذي يعذب ببكاء أهله عليه، ويقول الله تعالى في محكم تنزيله (وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى؟)

الجواب:

الْمَعْنَى عَلَى هَذَا أَنَّ الَّذِي يُعَذَّب بِبَعْضِ بُكَاء أَهْله، هو الميتُ الذي سبق له في حياته ان أوصى أهلَه بالنيَّاحةِ عليه بعد موته، فَهَذَا يُعَذَّب بِبُكَاءِ أَهْله عَلَيْهِ وَنَوْحهمْ وَكَانَ مِنْ عَادَة الْعَرَب الْوَصِيَّة بِذَلِكَ، وَمِنْه قَوْل طَرَفَةَ بْن الْعَبْد

إِذَا مِتُّ فَانْعِينِي بِمَا أَنَا أَهْله وَشُقِّي عَلَيَّ الْجَيْب يَا اِبْنَة مَعْبَدِ.

فَأَمَّا مَنْ بَكَى عَلَيْهِ أَهْلُه وَنَاحُوا مِنْ غَيْر وَصِيَّة مِنْهُ فَلَا يُعَذَّب لِقَوْلِ اللَّه تَعَالَى : (وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) والكلام في هذا كثير ولكن (يكفي من القلادة ما يحيط بالعنق) قال يوسف: يكفي، ولكن ما ذا أقول للملحد، في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : من أحبَّ أن يُبسطَ له في رزقِه وأن ينسأ له في أجله فليصل رحمه؟) كيف تزيدُ زيارةُ الأرحام وبر الوالدين في عمرِ الإنسان، وقد جاء في سورة الرعد الآية رقم 38 “لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ” أي الأجل مكتوب ومحسوم أمره؟ قلت ليوسف قل للملحد قال العلماء: هناك أشياءُ كتبها اللهُ- عزَّ وجل- في(أم الكتاب) هي أشياءٌ ثابته، لا تُمحى، واشياءٌ كتبها اللهُ في (صحف الملائكة) وهذه تُمحى. والآجالُ هي من الأشياءِ التي كتبها الله في صحفِ الملائكة، أي قابلة للمحو، الدليل قال الله تعالى: ﴿ يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ اللهم إن كنت كتبتنا أشقياءَ، فامحُ واكتبنا سعداء، وإن كنت كتبتنا سعداءَ فأثبتنا، فإنَّك تمحو ما تشاءُ وتُثْبِت وعندك أم الكتاب، أم الكتاب” مصطلحٌ قرآني يشير- غالبًا- إلى اللوحِ المحفوظ الذي أثبت اللهُ فيه مقاديرَ الخلقِ وكلَّ ما سيحدث، وهو الأصل الذي لا يتبدَّل، كما في سورة الزخرف {وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ}

أما مطلعُ اغنية سيد خليفة (يهديك يرضيك الله يخليك…ويشيل … من عمري أنا… ويديك الله يخليك) قل للملحد: نعم قد حدث ذلك فعلا خصم اللهُ أربعين سنةً من عمر(إنسان) بناءً على طلبه ومنحها لأنسان آخرَ. قال يوسف: كيف ومتى ومن؟ ما الدليل؟

تقدَّم في ذكر الأحاديث الواردة في خلق آدم أن اللهَ لما استخرج ذريته من ظهره، فرأى آدمُ فيهم الأنبياء عليهم السلام، ورأى فيهم رجلا يزهر (اعجبه نوره) فقال: أي ربّ، من هذا؟ قال: هذا ابنُك داؤود. قال: أي رب كم عمره؟ قال: ستون عامًا قال: أى رب زد فى عمره قال: لا… إلا أن أزيده من عمرك. وكان عمر آدم ألف عام. فخصم الله أربعين عامًا من عمر آدم عليه السلام واضافها إلى عمر داؤود عليه السلام. قال يوسف: تقصد أن اللهَ- عزَّ وجل- قال لآدم سوف أزيدُ أبنَك داؤود أربعين سنة حسب طلبك ليصبح عمره مائة عام، ولكنني سوف أخصم هذه السنين من عمرك لصير عمرك 960 عامًا؟ ) قلت: نعم، ووافق ابونا آدم عليه السلام وكتب إقرارًا بذلك بشهود الملائكة، فلما انقضى عمرُ آدم جاءه ملكُ الموت، فعرفه ادم وسأله: ماذ تريد؟ فقال ملك الموت: أُمرتُ أن أقبضَ روحَك،فقال آدم: لا زال متبقي من عمري أربعون عامًا، ونسيَ آدم ما كان وهبَه لولده داؤود، فأخرج له الملائكةُ الإقرارَ الذي كتبه وبشهود الملائكة. قال النبي صلى الله عليه وسلم: فنسيَ آدمُ فنسيتْ ذريتُه وجحدَ آدمُ، فجحدت ذريتُه. قال يوسف: إنها قصةٌ غريبة، لأول مرة أسمع بها، قلت له: هذه القصة رواها أحمد والطبراني من طريق علي ابن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: “أول من جحد آدم.. قلت ليوسف: بفضل اللهِ، ثم أنا، أصبحتَ انت تبحث وتقرأ، قال: بفضل الله وحده وليس لك دخل في هذا الشأن. قلت له: أنت جاحدٌ، وصدق رسولُ الله حين قال: وجحد آدم فجحدت ذريتُه..

إنتهى حوارُنا مع الملحدِ ولم تنتهِ اسئلتُه بعد، لأنه متناقضٌ، يتحججُ بالقرآنِ، ويرفضُ الدليلَ من القرآن (أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ) ولكنه فتحَ لنا بابَ المراجعةِ والبحث، وندعوا اللهَ أن يهديَه إلى كلمةِ التوحيد (لا إله إلا الله) صلوا على محمَّد رسولِ الله وعلى آله وصحبه وسلم..

كان هذا يوسف وانا، فابقوا معنا في موضوعٍ آخر، إن كان في العمرِ بقية

والله أعل وأعلم..

27 يناير 2026م

زر الذهاب إلى الأعلى