مقالات الرأي

بقايا حروف ​د. أبوالقاسم محمد نور يكتب  ​ الحجُّ.. فريضةُ الرّحمنِ لا أروقةُ السُّلطانِ

 

​■ يظلُّ الحجُّ والعمرةُ شعائرَ ربانيّةً مُقدّسةً استمدَّت ترتيبها وأحكامها من مُحكم التنزيل وصحيح السُّنّة النبويّة، وهي فرائضُ لا تقبلُ القسمةَ على الهوى السياسيِّ أو التلوّن بصبغةِ الأنظمةِ الحاكمةِ، بل هي ركنٌ ركينٌ من أركانِ الإسلامِ الخمسةِ التي بُني عليها الدّين، مما يفرضُ التعاملَ معها بقدسيّةٍ خالصةٍ تنأى بها عن دهاليزِ العملِ الإداريِّ التقليديِّ في الدولةِ السودانيةِ، وتضعها في مقامِ العبادةِ التي تستوجبُ الإخلاصَ والتجرّدَ التامَّ من كلِّ مصلحةٍ دنيويّةٍ زائلةٍ.
​■ المتأملُ في تجاربِ دولِ العالمِ الإسلاميِّ يجدُ أنَّ النجاحَ في إدارةِ هذه الشعيرةِ ارتبطَ ارتباطاً وثيقاً بفصلها عن التجاذباتِ السياسيّةِ وجعلها خطاً أحمراً لا يُسمحُ بالمساسِ به أو اللعبِ في مقدراته، وقد تطوّرت تلك الدولُ ببركةِ استجابةِ دعواتِ الحجيجِ وحسنِ وفادتهم، بينما لا نزالُ نحنُ في السودانِ نرزحُ تحت وطأةِ مشاكلَ متراكمةٍ وقضايا فسادٍ تتكررُ مع كلِّ ميقاتٍ، مما يوجبُ التوقفَ عن الحلولِ “الترقيعيّةِ” والبحثِ عن علاجاتٍ جذريّةٍ تعيدُ للركنِ الخامسِ هيبتهُ الضائعةَ.
​■ تبدو المفارقةُ الصارخةُ في قاطرةِ الحجِّ السودانيّةِ أنَّ التغييرَ يطالُ “رأسَ القاطرةِ” فقط في كلِّ عام، بينما تظلُّ العرباتُ الإداريّةُ ثابتةً في مكانها لعشراتِ السنينِ دونَ تجديدٍ يُذكر، وهو ما يفرضُ ضرورةَ أن يكونَ العملُ في هذا الملفِّ طوعيّاً ومحدداً بدورةٍ زمنيّةٍ لا تتجاوزُ السنتين، يغادرُ بعدها المكلّفُ موقعهُ ليتركَ المجالَ لدماءٍ جديدةٍ وطاقةٍ شابةٍ، وألا يُعادَ تكليفهُ طوالَ العُمر، لضمانِ تجفيفِ منابعِ “البيروقراطيّةِ” التي أهلكت طموحاتِ الحاجِّ السودانيِّ.
​■ بذلنا في منظمةِ “زول” المتخصصةِ لأكثرَ من عشرينَ عاماً جهوداً مضنيةً في تقديمِ الدراساتِ والحلولِ الميدانيةِ للارتقاءِ بخدماتِ ضيوفِ الرحمنِ، ولكننا واجهنا صمتاً مريباً وكأنما “لا حياةَ لمن تنادي”، في وقتٍ تتسابقُ فيه المملكةُ العربيةُ السعوديةُ مع الزمنِ لتطويرِ كلِّ التفاصيلِ والمواكبةِ السنويّةِ، وهي جهودٌ تحتاجُ منّا إلى مُنفذينَ يمتلكونَ مهارةَ المحاكاةِ والاتساقِ مع هذا التطوّرِ العالميِّ المتسارعِ، بدلاً من التجمّدِ في القوالبِ القديمةِ التي أكلَ عليها الدهرُ وشرب.
​■ واقعُ الحاجِّ السودانيِّ اليومَ باتَ مريراً ومعقّداً للغاية، إذ إنَّ الأغلبيةَ العظمى من ضيوفِ الرحمنِ هم من فئةِ الرعاةِ والمزارعينَ الذينَ يمتلكونَ “الزرعَ والضرعَ”، وهم الفئةُ الوحيدةُ القادرةُ على سدادِ التكاليفِ الباهظةِ للحجِّ في ظلِّ الظروفِ الراهنةِ، ومن المؤلمِ حقاً أن تتعاملَ الدولةُ مع الحجِّ كأنهُ مصلحةٌ حكوميّةٌ جبايةً وتنظيماً، متناسيةً أنَّ الأمرَ يخضعُ لضوابطَ دينيّةٍ وتنسيقيةٍ مع بلادِ الحرمينِ تتطلبُ مرونةً لا تتوفرُ في أجهزةِ الدولةِ الجامدة.
​■ لا يمكننا التغافلُ عن مراراتِ الفترةِ السابقةِ التي حكمت فيها “قوى الحريةِ والتغييرِ”، حيثُ تمَّ إغلاقُ منشآتٍ إسلاميّةٍ عديدةٍ بدافعِ الخصومةِ مع الدينِ لا مع السياسةِ، وهي منشآتٌ كان لها دورٌ محوريٌّ في توعيةِ وإعدادِ الحجيجِ، والشعبُ السودانيُّ الذي جُبلَ على التصوفِ والتدينِ منذُ مئاتِ السنينِ لا يمكنُ فصلهُ عن وجدانهِ الإيمانيِّ بقراراتٍ جائرةٍ، مما يستوجبُ خروجَ ملفِّ الحجِّ والعمرةِ تماماً من تحتِ عباءةِ وزاراتِ الدولةِ الروتينيّةِ.
​■ الرؤيةُ الواضحةُ للمستقبل تقتضي إنشاءَ “صندوقٍ استثماريٍّ” مستقلٍ لدعمِ فريضةِ الحجِّ والعمرةِ، تديره عقولٌ خبيرةٌ تقدّمُ دراساتٍ واقعيّةً لمشاكلِ الحاجِّ السودانيِّ، ولدينا في هذا الصددِ أفكارٌ وحلولٌ جاهزةٌ تضمنُ استدامةَ الخدمةِ وجودتها، ومن المستغربِ تماماً أن يظلَّ ملفُّ الحجِّ تابعاً لرئاسةِ الوزراءِ بينما الأجدرُ أن يكونَ تحتَ إشرافِ وتنفيذِ وزارةِ الشؤونِ الدينيّةِ والأوقافِ كجهةِ اختصاصٍ أصيلةٍ، لتوحيدِ القرارِ ووضوحِ الرؤيةِ الفنيّة.
​■ الإصرارُ على أن يكونَ الحجُّ والعمرةُ عملاً موسمياً محدوداً هو خطأٌ فادحٌ، إذ يجبُ تعيينُ كوادرَ ثابتةٍ ومؤهلةٍ تنظرُ للأمرِ كعملٍ طوعيٍّ غايتهُ الأجرُ والثوابُ قبلَ البحثِ عن المكاسبِ الماليّةِ من جيوبِ البسطاء، فنحنُ للأسفِ شعبٌ تستهويهِ الفتنُ والمصالحُ الضيقةُ حتى لو أضرّت بالشأنِ العام، وهذا المسلكُ الفرديُّ الأنانيُّ هو العائقُ الأساسيُّ أمام تطويرِ خدماتِ الحجِّ، ويجعلنا ندورُ في حلقةٍ مفرغةٍ من الأزماتِ التي تتجددُ مع كلِّ رحلة.
​■ الدولةُ السودانيةُ مطالبةٌ الآن وأكثرَ من أيِّ وقتٍ مضى برفعِ يدها الثقيلةِ عن أموالِ الحجاجِ، وتركِ المساحةِ لجهاتِ اختصاصٍ تعكفُ على إقامةِ ورشٍ تدريبيّةٍ ومعالجاتٍ مستمرةٍ طوالَ العام، فالتطويرُ الحقيقيُّ ليسَ شعاراتٍ برّاقةً تُرفعُ في الإعلامِ، بل هو فعلٌ ملموسٌ يبدأُ من تبسيطِ الإجراءاتِ وينتهي بضمانِ راحةِ الحاجِّ في كلِّ خطوةٍ، واحترامِ عقليتهِ وتوفيرِ سبلِ السكينةِ له ليؤدي ركنهُ بخشوعٍ تام.
​■ الحجُّ الذي ننشدهُ للسودانيين هو الذي يرتكزُ على عقولٍ واعيةٍ تُقدّرُ قيمةَ “الإنسان” أولاً، وتدركُ أنَّ خدمةَ ضيوفِ الرحمنِ هي شرفٌ عظيمٌ لا يضاهيهِ شرف، ولعلَّ السيرَ في هذا الطريقِ يتطلبُ شجاعةً في اتخاذِ القراراتِ الجريئةِ بفكِّ الارتباطِ بين الشعيرةِ والسياسةِ، ومنحِ الصلاحياتِ لمن يمتلكونَ الخبرةَ والدرايةَ الميدانيّةَ لا لمن يجيدونَ فقط ملءَ المقاعدِ الإداريّةِ الوثيرةِ بعيداً عن واقعِ المعاناةِ الحقيقي.
​■ المؤسساتُ الدينيةُ والمنظماتُ الطوعيةُ تمتلكُ كنوزاً من الأفكارِ والدراساتِ المهملةِ في أدراجِ المكاتب، وتجاهلُ هذه الخبراتِ هو تبديدٌ لمواردِ الوطنِ وإمعانٌ في تكرارِ الفشل، فالحلُّ ليسَ مستحيلاً بل يحتاجُ فقط إلى إرادةٍ وطنيّةٍ صادقةٍ تضعُ مصلحةَ الحاجِّ فوقَ كلِّ اعتبارٍ حزبيٍّ أو شخصيٍّ، وتفتحُ الأبوابَ لكلِّ مبادرةٍ تهدفُ إلى تجويدِ الأداءِ ورفعِ كفاءةِ التنفيذِ في المناسكِ المقدسة.
​■ الحاجُّ السودانيُّ البسيطُ يقطعُ الفيافي والقفارَ رغبةً في لقاءِ ربهِ طاهراً من الذنوب، فمن الظلمِ أن يجدَ في طريقهِ عوائقَ من صنعِ البشرِ نتيجةَ إهمالٍ أو سوءِ إدارةٍ أو تعنتٍ إداريٍّ لا طائلَ منه، ومسؤوليّةُ القائمينَ على الأمرِ أمام اللهِ عظيمةٌ، فهم الرعاةُ المسؤولونَ عن رعيّتهم في هذه الرحلةِ الروحيّةِ، وأيُّ تقصيرٍ في حقِّ هؤلاءِ الضعفاءِ هو خذلانٌ لمبادئِ الدينِ وقيمِ الإنسانيّةِ التي نتشدقُ بها.
​■ الوقتُ قد حانَ لنشرعَ في بناءِ منظومةٍ متطورةٍ تعتمدُ الشفافيةَ المطلقةَ في إدارةِ أموالِ الحجِّ، وتوضيحِ أوجهِ الصرفِ بكلِّ دقةٍ، ليعرفَ الحاجُّ أين تذهبُ أموالهُ، وكيف تُقدّمُ له الخدماتُ، فهذا الوضوحُ هو الكفيلُ بقطعِ لسانِ الفتنِ وإيقافِ الشائعاتِ التي تثارُ سنوياً، وهو الذي يمهدُ الطريقَ لبناءِ جسورِ الثقةِ بين المواطنِ والجهاتِ المنظمةِ لتلك الشعيرةِ المباركة.
​■ الحجُّ والعمرةُ هما الرئةُ التي يتنفسُ بها الشعبُ السودانيُّ الإيمانَ، وحمايتهما من “التسييسِ” هو واجبٌ وطنيٌّ مقدّسٌ، وإنَّ تحويلَ هذا الملفِّ إلى عملٍ مؤسسيٍّ يستلهمُ من التجاربِ الناجحةِ حولنا هو المخرجُ الحقيقيُّ من نفقِ التخبطِ الإداريِّ، لتبقى ذكرى الحجِّ في نفوسِ أهلنا رحلةً للصفاءِ والسكينةِ، لا رحلةً من المعاناةِ والملاحقاتِ التي ترهقُ الأبدانَ والقلوب.
​■ ختاماً، يظلُّ الأملُ معقوداً على بصيصِ نورٍ يخرجنا من هذه الدائرةِ المفرغة، والكلماتُ التي نخطها هنا هي صرخةُ حقٍ في وجهِ السكونِ المطبق، لعلها تجدُ أذناً صاغيةً وقلباً نابضاً بحبِّ هذا الوطنِ وأهلهِ الصادقين، فخدمةُ ضيوفِ الرحمنِ أمانةٌ في الأعناقِ، والتاريخُ لن يرحمَ من قصّرَ أو فرطَ في صونِ هذه الأمانةِ الربانيّةِ الغالية.

زر الذهاب إلى الأعلى