مقالات الرأي

فريق شرطة حقوقي د. الطيب عبدالجليل حسين يكتب تعديلات قانون الاجراءات الجنائية 2025م

 

أخي وزميلي العزيز (الفردة) الأستاذ الدكتور/ عمر كابو ،المحامي استشاري القانون والموثق

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،

وتحية خاصة لأهلنا الكرام شعب أرض ولاية القضارف؛ أرض العطاء والإنتاج، وموطن الكرم والتاريخ الوطني العريق، بما تمثله من قيمة اجتماعية ووطنية في وجدان السودان.

اطلعت باهتمام بالغ على مقالتكم بشأن تعديلات المادة (38/أ) من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991م، كما وقفت على مقالاتكم السابقة المتعلقة بطبيعة النيابة العامة وسلطات النائب العام، لا سيما سلطته في وقف الإجراءات الجنائية المنصوص عليها في المادة (58) من القانون، والتي تمنح النائب العام – أو من يفوضه – سلطة إصدار قرار مسبب بوقف الدعوى الجنائية وسحبها من أمام قاضي المحكمة الجنائية، في أي مرحلة بعد اكتمال التحري وقبل صدور الحكم الابتدائي، بما يترتب عليه إطلاق سراح المتهم وسقوط التهمة الجنائية.

وأسمحوا لي، أخي الدكتور/ عمر كابو، أن أطرح رؤية ذات طابع فقهي–دستوري–سياسي حول قانون الإجراءات الجنائية السوداني لسنة 1991م، في ضوء مسيرته التشريعية الممتدة منذ صدوره بمرسوم دستوري مؤقت في بدايات مرحلة الثلاثين من يونيو 1989م، وما لحق به من تعديلات متعاقبة أعوام 2002م، 2009م، 2012م، 2019م، وصولًا إلى تعديلات 2025م المثارة بشأن المادة (38/أ).

ففي تقديري، لا يمكن قراءة التعديلات للقانون بوصفها مجرد تعديلات فنية متفرقة، وإنما ينبغي فهمها ضمن السياق التاريخي والسياسي الذي نشأ فيه القانون نفسه، باعتباره أحد القوانين المؤسسة لبنية الدولة السلطوية في تسعينيات القرن الماضي، حيث صدر قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991م في ظل حالة سياسية استثنائية أعقبت استيلاء سلطة الثلاثين من يونيو 1989م على الحكم، وفي سياق اتسم بتغليب الاعتبارات الأمنية والتنفيذية على حساب الضمانات الدستورية والرقابة القضائية المستقلة، وذلك بإلغاء قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1983م، الذي كان يمثل امتدادًا تاريخيًا وتطوريًا لقانون الإجراءات الجنائية لسنة 1925م.

ومن الناحية الفلسفية والقانونية، فإن قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1925م كان قائمًا – في جوهره – على فلسفة المدرسة الأنجلوسكسونية (Anglo-Saxon Common Law)، المتأثرة بالنموذج الإنجليزي التقليدي القائم على مركزية القضاء، واتساع دور المحاكم في الرقابة على مشروعية الإجراءات الجنائية، واعتبار الشرطة جهازًا للتحري وجمع البينات يعمل تحت الإشراف القضائي، مع تغليب الطابع الخصومي (Adversarial System) الذي يقوم على التوازن بين سلطة الاتهام وحقوق الدفاع أمام قاضٍ محايد، تكون فيه النيابة الجنائية ممثلة لسلطة الاتهام فحسب، لا جهةً فاصلة في الخصومة أو مهيمنة على مجمل العملية الإجرائية.

أما قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991م، فقد اتجه – بدرجات متفاوتة – نحو فلسفة المدرسة اللاتينية ذات التأثير الفرنسي–النابليوني، المتأثرة بقانون التحقيقات الجنائية الفرنسي وما بعد المدرسة النابليونية، لا سيما الإرث الإجرائي الذي تبلور منذ قانون نابليون للإجراءات الجنائية لسنة 1808م، ثم تطوراته اللاحقة حتى منتصف القرن التاسع عشر، وانتقل إلى عدد من النظم القانونية العربية عبر المدرسة القانونية المصرية المختلطة.

وبذلك، فإن قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991م لم يكن مجرد تحديث إجرائي لقانون 1983م، وإنما مثّل تحولًا أعمق في فلسفة إدارة الدعوى الجنائية نفسها، من خلال توسيع دور سلطة الاتهام والنيابة العامة، ومنح الأجهزة العدلية والتنفيذية سلطات أوسع في التحري والقبض والتفتيش والحبس، في إطار أقرب إلى النموذج اللاتيني الذي يمنح الدولة دورًا أكثر مركزية وهيمنة في إدارة الخصومة الجنائية، مقارنة بالنموذج الأنجلوسكسوني التقليدي الذي يمنح القضاء دورًا أكثر حضورًا وفاعلية في الرقابة على مشروعية الإجراءات، سواء في مرحلة ما قبل المحاكمة أو أثناء سيرها، باعتبار أن حماية الحرية الفردية وضمانات المحاكمة العادلة تظل – في الأصل – وظيفة قضائية قبل أن تكون وظيفة إدارية أو اتهامية.

كما أن هذا التحول نحو نظام النيابة العامة بوصفها الجهة القابضة على الدعوى الجنائية والمهيمنة على مراحلها السابقة للمحاكمة، لم يكن انتقالًا خالصًا ومباشرًا إلى النموذج اللاتيني الفرنسي، وإنما جاء في صورة نموذج إجرائي هجين أو مختلط، تأثر بصورة واضحة بالمدرسة القانونية المصرية، التي جمعت تاريخيًا بين خصائص النظام اللاتيني الفرنسي القائم على مركزية سلطة الاتهام والتحقيق، وبين تعديلات وإسقاطات عملية فرضتها البيئة القانونية العربية وطبيعة الدولة المركزية الحديثة، بما أفضى إلى توسيع سلطات النيابة العامة في إدارة الدعوى الجنائية، مع بقاء بعض السمات الشكلية المستمدة من النظام الأنجلوسكسوني التقليدي في قانون 1991م السوداني، الأمر الذي أوجد حالة من التداخل البنيوي بين فلسفتين قانونيتين مختلفتين في إدارة الخصومة الجنائية وحدود الرقابة القضائية على إجراءاتها.

ومن ثم، فإن الإشكالية التي صاحبت قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991م، لا تتعلق فقط بالنصوص الإجرائية ذاتها، وإنما كذلك بطبيعة التحول الفلسفي والقانوني الذي نقل مركز الثقل في إدارة الدعوى الجنائية تدريجيًا من الرقابة القضائية التقليدية إلى سلطة الاتهام والأجهزة التنفيذية، الأمر الذي أوجد حالة من التوتر المستمر بين مقتضيات الضبط الأمني ومتطلبات العدالة الدستورية وضمانات المحاكمة العادلة. ومنذ ذلك التاريخ، ظل القانون 1991م يخضع لسلسلة طويلة من التعديلات التي لم تُنتج – في مجموعها – مراجعة فلسفية شاملة لبنية العدالة الجنائية، وإنما جاءت في غالبها استجابة لتحولات سياسية أو أمنية أو دولية فرضتها طبيعة المرحلة.

فقد جاءت تعديلات 2002م على خلفية مذكرة الشرطة الشهيرة، بشأن عوارات قانون الإجراءات الجنائية من الناحية العملية والتطبيقية، وما ارتبط بها من نقاشات واسعة داخل المؤسسات العدلية والأمنية التقليدية المركزية في وزارة الداخلية (رئاسة قوات الشرطة)، وعلى وجه الخصوص المؤسسة الشرطية، حول سلطات التحري، والقبض، والتفتيش، والضمان، في ظل تزايد الشكاوى العملية من قصور بعض النصوص الإجرائية وعجزها عن تحقيق التوازن بين مقتضيات الأمن العام وضمانات العدالة الجنائية. وقد عكست تلك المذكرة – في جانب مهم منها – رؤية مهنية نابعة من الخبرة العملية المتراكمة للشرطة السودانية في إدارة الدعوى الجنائية، وما تواجهه يوميًا من تحديات تطبيقية تتعلق بفعالية الإجراءات، وسرعة التحري، وضبط الجريمة، وفي المقابل حدود المشروعية القانونية والضمانات المرتبطة بحقوق الأفراد وحرياتهم الأساسية.

وبناء عليه، تشكلت آنذاك لجنة برئاسة الدكتور/ إسماعيل الحاج موسى (المحامي)، بغرض مراجعة القانون ومعالجة الإشكالات العملية التي كشفتها التجربة التطبيقية، لا سيما الملاحظات المهنية التي دفعت بها المؤسسة الشرطية بحكم احتكاكها اليومي بإدارة الدعوى الجنائية. إلا أن مسار تلك التعديلات – بحسب ما استقر في الذاكرة القانونية السودانية – لم يكن معزولًا عن التأثيرات السياسية الفوقية وتقاطعات مراكز النفوذ داخل بنية السلطة آنذاك، الأمر الذي حال دون تمرير الإصلاحات التي كانت محل توافق مهني وفني بين الجهات العدلية والأمنية المركزية في وزارة الداخلية (رئاسة قوات الشرطة)، وأفضى في نهاية المطاف إلى بقاء البنية الفلسفية الأساسية للقانون دون مراجعة جوهرية، مع استمرار ذات التصور الإجرائي القائم على تغليب مركزية سلطة الاتهام والاعتبارات الأمنية للسلطة والنظام على حساب إعادة التوازن المؤسسي بين مقتضيات الضبط الجنائي وضمانات العدالة الدستورية.

ثم جاءت تعديلات 2009م في سياق مختلف تمامًا، ارتبط بتصاعد الضغوط الدولية على السودان عقب أزمة دارفور، وإصدار المحكمة الجنائية الدولية أوامر قبض بحق الرئيس السابق عمر البشير وبعض المسئولين السودانيين، الأمر الذي دفع المشرع السوداني إلى محاولة مواءمة بعض نصوص قانون الإجراءات الجنائية والقانون الجنائي مع الجرائم ذات الطابع الدولي، مثل جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية.

وهنا تبرز أهمية استحضار السياق التاريخي لنظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية؛ إذ تم اعتماد (ميثاق روما) بتاريخ 17 يوليو 1998م في العاصمة الإيطالية روما، ودخل حيز النفاذ في الأول من يوليو 2002م بعد اكتمال عدد التصديقات المطلوبة. وكان السودان قد وقّع على النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية بتاريخ 08 سبتمبر 2000م، إلا أنه لم يُكمل إجراءات التصديق النهائية بقانون من السلطة التشريعية، ومن ثم لم يصبح السودان دولة طرفًا كاملة العضوية في النظام الأساسي. ومع ذلك، فإن إحالة مجلس الأمن الدولي لوضع دارفور إلى المحكمة الجنائية الدولية بموجب القرار رقم 1593 لسنة 2005م، جعل السودان عمليًا في مواجهة مباشرة مع قواعد القانون الجنائي الدولي، وفرض على التشريعات الوطنية ضغوطًا متزايدة لإدخال مفاهيم الجرائم الدولية وآليات الملاحقة المرتبطة بها.

أما تعديلات 2012م، فقد جاءت في أعقاب انفصال جنوب السودان سنة 2011م، وما ترتب على ذلك من تحولات دستورية وقانونية مست جوهر بنية الدولة السودانية واختصاصاتها الإقليمية والجنسية والسيادة الحدودية للإقليم، الأمر الذي استدعى إعادة النظر في عدد من النصوص الإجرائية ذات الصلة بالاختصاص القضائي والتعاون الجنائي والإجراءات العابرة للحدود. ثم جاءت تعديلات 2019م في سياق مختلف جذريًا، عقب سقوط نظام الإنقاذ 1989م وصدور الوثيقة الدستورية لسنة 2019م، التي أعادت طرح أسئلة الحقوق والحريات والفصل بين السلطات واستقلال النيابة العامة والقضاء، وفتحت الباب نظريًا أمام الانتقال من دولة السلطة إلى دولة القانون. إلا أن التعديلات التي أُدخلت في تلك المرحلة ظلت – في تقديري – محدودة الأثر، لأنها لم تمس البنية العميقة لفلسفة قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991م، والتي لا تزال تمنح سلطة الاتهام مركزًا متضخمًا على حساب الضمانات القضائية.

وأخيرًا، جاءت تعديلات 2025م، وخاصة ما يتعلق بالمادة (38/أ)، في ظل تداعيات حرب 15 أبريل 2023م، وما أفرزته من أوضاع أمنية وإنسانية معقدة، ومحاولات تشريعية لمنع الإفلات من العقاب في الجرائم المرتبطة بالحرب والانتهاكات الجسيمة التي هي جرائم حرب وضد الانسانية. إلا أن هذه التعديلات – رغم مبرراتها المرتبطة بالعدالة الانتقالية وظروف النزاع – ظلت تتحرك داخل ذات الفلسفة القديمة التي تعطي أولوية لتوسيع سلطات الدولة الإجرائية دون إعادة بناء متوازنة لمنظومة الضمانات القضائية والرقابة المستقلة.

ومن ثم، فإن قراءة المسار التاريخي لقانون الإجراءات الجنائية السوداني، تكشف بوضوح أن القانون 1991م بتعديلاته لم يعد مجرد نص إجرائي قابل للمعالجة عبر تعديلات جزئية متفرقة، وإنما أصبح يمثل أزمة فلسفة تشريعية متكاملة تتعلق بطبيعة الخصومة الجنائية، وحدود سلطة الدولة، والعلاقة بين الشرطة والنيابة العامة والقضاء، وموقع الحقوق والحريات داخل النظام العدلي السوداني.

ولهذا، فإن أي إصلاح حقيقي لقانون الإجراءات الجنائية في السودان، لا ينبغي أن يقتصر على تعديل بعض المواد، أو توسيع سلطات التحري، أو إعادة صياغة قواعد التقادم المسقط للدعوى الجنائية، وإنما يجب أن ينطلق من مراجعة تأسيسية شاملة لفلسفة العدالة الجنائية نفسها، بحيث تكون هذه الفلسفة منسجمة – في آنٍ واحد – مع المعايير الدستورية الحديثة، والمعايير الدولية لحقوق الإنسان، والطبيعة الاجتماعية والثقافية والتاريخية للمجتمع السوداني. فالتشريع الجنائي الموضوعي والإجرائي، لا يعمل في فراغ، وإنما يتأثر بالبنية الاجتماعية والثقافية والسياسية والاقتصادية للمجتمع الذي يُطبق فيه. ومن ثم، فإن نجاح أي نموذج للعدالة الجنائية في السودان، يظل مرهونًا بمدى قدرته على استيعاب خصوصية المجتمع السوداني، بما يحمله من تعدد إثني وثقافي وجهوي، وهيمنة للبنى التقليدية والعُرفية، وضعف نسبي في ترسخ مفهوم الدولة الحديثة داخل الوعي الجمعي.

فالواقع السوداني، عبر تاريخه السياسي الحديث، يكشف عن ضعف نسبي في الثقافة القانونية العامة، وعن محدودية استبطان مفهوم (الدولة) باعتبارها مؤسسة قانونية مجردة تعلو على الولاءات الأولية التقليدية. إذ ظل الانتماء القبلي والجهوي والطائفي والسياسي، في كثير من الأحيان، أقوى تأثيرًا من الانتماء لفكرة الدولة القانونية الحديثة. كما أن الثقافة السياسية السودانية – بحكم تراكمات الانقلابات الهجينة المدنية- العسكرية، وضعف التجارب الديمقراطية، وعدم استدامة المؤسسات الدستورية – لم تنجح بصورة كافية في ترسيخ قيم سيادة حكم القانون، واحترام المؤسسات، والفصل بين السلطات، والخضوع الطوعي للقانون باعتباره مرجعية عليا مجردة، لا أداة للصراع السياسي أو الهيمنة السلطوية.

ولذلك، فإن الأزمة الإجرائية الجنائية في السودان، ليست أزمة نصوص قانونية فحسب، وإنما هي كذلك أزمة ثقافة دولة، وثقافة قانون، وثقافة سياسية. فحين يضعف الوعي العام بمفهوم الدولة القانونية، تتحول العدالة الجنائية تدريجيًا من منظومة لحماية الحقوق والحريات إلى أداة لإدارة التوازنات الاجتماعية والسياسية والأمنية، وتميل السلطة العامة – لا سيما الأجهزة العدلية والأمنية التقليدية المركزية في وزارة الداخلية (رئاسة قوات الشرطة) – إلى توسيع صلاحياتها الاستثنائية على حساب الضمانات الدستورية.

وفي هذا السياق، تبرز أهمية ما يمكن تسميته (باقتصاديات إدارة العدالة الجنائية)، باعتبارها من الجوانب التي ظلت مهملة نسبيًا في النقاش القانوني السوداني، رغم ارتباطها المباشر بكفاءة الدولة، وفعالية النظام العدلي، وقدرته على تحقيق التوازن بين الأمن والحرية والعدالة. وهنا، يُقصد باقتصاديات إدارة العدالة الجنائية؛ ذلك الحقل المعرفي الذي يدرس العلاقة بين الموارد المالية والبشرية والمؤسسية للدولة، وبين كفاءة وفعالية النظام الجنائي في تحقيق العدالة، من حيث تكلفة إدارة الدعوى الجنائية في جميع مراحلها، ابتداءً من التحري والتحقيق الذي تباشره الشرطة، مرورًا بدور النيابة العامة في الادعاء والاتهام، ثم المحاكم الجنائية بوصفها الجهة الفاصلة في الخصومة الجنائية، وانتهاءً بمؤسسات تنفيذ العقوبات والسجون.

وفي هذا السياق، مفهوم اقتصاديات العدالة الجنائية، لا يقف عند حدود إصدار الحكم أو تنفيذ العقوبة، وإنما يمتد كذلك إلى الحلقة التي ظلت – في كثير من الأحيان – غائبة أو ضعيفة الحضور في النظام العدلي السوداني، وهي مرحلة ما بعد تنفيذ العقوبة بخروج المحكوم عليه من السجن، بما تتضمنه من إعادة التأهيل، والتعافي من الجريمة، والرقابة المجتمعية والشرطية اللاحقة، ومنع العودة إلى السلوك الإجرامي، باعتبار أن الغاية النهائية للعدالة الجنائية، لا تتمثل فقط في العقاب، وإنما كذلك في إعادة دمج الفرد داخل المجتمع، بصورة تقلل من احتمالات العود للجريمة، وتحافظ على الاستقرار الاجتماعي.

ومن ثم، فإن اقتصاديات إدارة العدالة الجنائية تُعنى – في جوهرها – بكيفية توظيف موارد الدولة المحدودة في إدارة منظومة العدالة الجنائية بأعلى درجات الكفاءة والفاعلية، وبأقل تكلفة اجتماعية واقتصادية ممكنة، مع المحافظة في الوقت ذاته على مقتضيات الأمن العام، وضمانات المحاكمة العادلة، وحماية الحقوق والحريات الأساسية.

وفي هذا الإطار، فإن تقييم فعالية النظام الجنائي، لا ينبغي أن يُقاس فقط بعدد المقبوض عليهم أو حجم العقوبات الصادرة، وإنما كذلك بمقدار ما يحققه النظام العدلي من: استقرار مجتمعي؛ وثقة عامة في مؤسسات العدالة؛ وتقليل معدلات الجريمة والعود الإجرامي؛ وحماية فعّالة للحقوق والحريات؛ وترشيد للموارد العامة في إدارة العدالة وإنفاذ القانون. فإدارة العدالة الجنائية، ليست مجرد مسألة قانونية أو أخلاقية، وإنما هي كذلك عملية اقتصادية وإدارية معقدة، تتعلق بكيفية توظيف الموارد المحدودة للدولة في مكافحة الجريمة وتحقيق العدالة بأقل تكلفة ممكنة، مع الحفاظ على الضمانات الدستورية وحقوق الإنسان.

ومن هنا، فإن التوسع في سلطات القبض والتفتيش والحبس والتحري والتحقيق الأولي–الابتدائي دون رقابة قضائية فعالة قد يبدو – ظاهريًا – وسيلة سريعة لتعزيز السيطرة الأمنية للدولة على النظام العام، لكنه على المدى البعيد يُنتج تكلفة اقتصادية ومؤسسية واجتماعية باهظة، تتمثل في:

(1) تضخم أعداد الموقوفين والمحاكمات؛

(2) زيادة الضغط على السجون ومؤسسات العدالة؛

(3) ارتفاع معدلات الانتهاكات والتعويضات والنزاعات؛

(4) تآكل الثقة العامة في أجهزة العدالة؛

(5) إضعاف الشرعية القانونية للدولة نفسها.

كما أن هذا التوسع الإجرائي، يترتب عليه أعباء مالية وإدارية متزايدة، تتحملها الدولة بصورة مباشرة، لا سيما فيما يتعلق بإدارة مؤسسات السجون والإصلاحيات، وما يتطلبه الموقوفون والمحكومون من إعاشة، ورعاية صحية، وتأمين، وحراسة، وبنية خدمية ولوجستية مستمرة، خاصة في حالات المحكوميات الطويلة والأحكام الجسيمة، مثل عقوبات الإعدام أو السجن لمدة خمس سنوات فأكثر، بما يفرض على الدولة تكاليف ممتدة ومعقدة تتجاوز مجرد عملية الاحتجاز في حد ذاتها. وبالتالي، فإن كل توسع غير منضبط في الحبس والتوقيف يقود – بالضرورة – إلى تضخم العبء على المؤسسات العقابية، سواء من حيث الطاقة الاستيعابية، أو الكلفة التشغيلية، أو متطلبات الحماية الأمنية لدور السجون ومجتمعها الداخلي، فضلًا عن ما يرتبط بذلك من احتياجات الرعاية النفسية والصحية والغذائية وإدارة المخاطر الأمنية داخل المؤسسات العقابية، خاصة في البيئات الهشة أو الخارجة من النزاعات.

ومن ثم، فإن العدالة الجنائية الرشيدة لا تُقاس فقط بقدرة الدولة على القبض والعقاب، وإنما كذلك بقدرتها على إدارة منظومة العدالة بكفاءة اقتصادية ومؤسسية وإنسانية متوازنة، بما يمنع تحول الإجراءات الجنائية إلى عبء مستدام على الدولة والمجتمع، أو إلى وسيلة لإنتاج أزمات اجتماعية ومؤسسية جديدة تحت غطاء الضرورة الأمنية.

كما أن ضعف الكفاءة المؤسسية، وقصور التدريب، وضعف البنية العدلية، وقلة الموارد الفنية والتقنية، تجعل العدالة الجنائية في السودان، تعاني من اختلالات هيكلية مزمنة، بحيث تتحول الإجراءات أحيانًا إلى وسيلة إنهاك اجتماعي واقتصادي للأفراد، بدلًا من كونها آلية منضبطة لتحقيق العدالة.

ويزداد الأمر تعقيدًا في المجتمعات الخارجة من النزاعات والحروب – كما هو حال السودان بعد حرب 15 أبريل 2023م – حيث تتداخل الاعتبارات الأمنية مع الهشاشة الاقتصادية، وضعف المؤسسات، وتراجع الثقة العامة في السلطة، مما يدفع الدولة نحو توسيع الاستثناءات الإجرائية باسم الضرورة الأمنية، على حساب فلسفة الحقوق والحريات. ولهذا، فإن إعادة تأسيس فلسفة العدالة الجنائية في السودان، يجب أن تنطلق من معادلة دقيقة ومتوازنة بين:

(1) مقتضيات الأمن والاستقرار؛

(2) ضمانات الحرية والعدالة؛

(3) خصوصية المجتمع السوداني؛

(4) إمكانات الدولة الاقتصادية والمؤسسية.

وبمعنى أدق، فإن العدالة الجنائية الرشيدة، ليست هي العدالة الأكثر قسوة أو الأكثر توسعًا في سلطات الاتهام والادعاء، وإنما هي العدالة الأكثر قدرة على تحقيق التوازن بين حماية المجتمع من الجريمة، وحماية الفرد من تعسف السلطة.

وفي هذا الإطار، فإن إعادة بناء فلسفة العدالة الجنائية في السودان، لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها دعوة لإضعاف أجهزة إنفاذ القانون أو تقليص دور الشرطة، وإنما – على العكس من ذلك – تقتضي الاستفادة القصوى من الإرث المهني والتاريخي للمؤسسة الشرطية السودانية في البنية المركزية الأمنية التقليدية (رئاسة قوات الشرطة) في وزارة الداخلية، بوصفها إحدى أقدم مؤسسات الدولة الحديثة في السودان منذ تأسيس النظام الشرطي الحديث سنة 1901م، وأكثرها انتشارًا أفقيًا ورأسيًا داخل المجتمع السوداني.

فقد ارتبط تأسيس الشرطة السودانية الحديثة، بإعادة تنظيم الإدارة الاستعمارية البريطانية–المصرية – الكوندومينيوم Condominium – عقب حملة استرداد السودان، حيث جرى تأسيس النظام الشرطي بموجب قرارات إدارية أصدرها اللورد كتشنر سنة 1901م، ضمن مشروع بناء أجهزة الدولة الحديثة وأدوات الضبط والإدارة العامة. ومنذ ذلك التاريخ، تطورت المؤسسة الشرطية السودانية تدريجيًا، لتصبح أحد أهم أعمدة الإدارة العامة والعدلية في السودان، وأكثر مؤسسات الدولة التصاقًا بالواقعات المادية والحياة اليومية للمجتمع السوداني، بحكم انتشار الشرطة الجغرافي الأفقي والرأسي، وتعدد وظائفها، واحتكاكها المباشر بالمجتمع في الحضر والريف والأطراف.

ولذلك، فإن الشرطة السودانية، لم تكن مجرد جهاز أمني بالمعنى الضيق، وإنما ظلت – تاريخيًا – تمثل العمود الفقري العملي لإدارة الدعوى الجنائية، لا سيما في مراحل التحري والتحقيق الأولي-المبدئي، وجمع المعلومات، وضبط وتسجيل الواقعات الحياتية وحفظ الأمن العام، وضبط الوقائع الجنائية، وإنفاذ القانون، والتعامل مع التعقيدات الاجتماعية والثقافية المحلية داخل مجتمع متعدد الإثنيات والأعراف والبيئات.

كما أن الخبرة السودانية العملية أثبتت، عبر عقود طويلة، أن المؤسسة الشرطية – بحكم انتشارها الميداني وتراكم خبراتها المهنية وقدراتها المؤسسية – تملك إمكانات عملية لا تتوافر لغيرها من أجهزة العدالة، خاصة في مجتمع مترامي الأطراف وضعيف البنية التحتية والعدلية كالسودان. ولذلك، فإن توظيف قدرات الشرطة بصورة رشيدة واحترافية في التحري وإدارة الإجراءات الجنائية، يسهم في تسريع الوصول إلى العدالة، وتحسين كفاءة جمع الأدلة، وتقليل تكلفة الإجراءات الجنائية، وتقوية إنفاذ القانون في المناطق الطرفية والهشة.

ومن ثم، فإن أي إصلاح رشيد لمنظومة العدالة الجنائية، لا ينبغي أن يقوم على إضعاف الدور المهني والتاريخي للمؤسسة الشرطية أو إقصائها من إدارة الدعوى الجنائية، وإنما على إعادة تنظيم هذا الدور داخل إطار دستوري وقانوني متوازن، يضمن المهنية والكفاءة في أداء الوظائف الشرطية، وفي الوقت ذاته يُخضع ممارستها لرقابة قضائية فعّالة وضمانات حقوقية واضحة، بما يحقق المعادلة الدقيقة بين فعالية إنفاذ القانون من جهة، وحماية الحقوق والحريات وسيادة حكم القانون من جهة أخرى. ولذلك، فإن توظيف القدرات المهنية للشرطة في التحري والتحقيق الأولي-المبدئي وإدارة الإجراءات الجنائية بصورة احترافية، يمكن أن يسهم في الآتي: تسريع الوصول إلى العدالة؛ وتقليل تكلفة الإجراءات الجنائية؛ وتحسين كفاءة جمع الأدلة؛ وتقوية إنفاذ القانون في المناطق الطرفية والهشة؛ والحد من الفوضى الإجرائية الناتجة عن ضعف التنسيق المؤسسي.

إلا أن الإشكالية الجوهرية لا تكمن في وجود سلطات للشرطة أو النيابة الجنائية، وإنما في طبيعة الضوابط والرقابة التي تحكم ممارستها. فالدولة القانونية الحديثة، لا تقوم على نزع السلطة من أجهزة إنفاذ القانون، وإنما على إخضاع هذه السلطة لرقابة القضاء المستقل وسيادة القانون. ومن هنا، فإن النموذج الأمثل للعدالة الجنائية في السودان، يجب أن يقوم على معادلة مؤسسية دقيقة، قوامها: شرطة مهنية قوية وفعّالة؛ ونيابة عامة مستقلة بوصفها سلطة اتهام وإدعاء؛ وقضاء مستقل ومحايد يمارس الرقابة النهائية على مشروعية الإجراءات وصحة استعمال السلطة.

ذلك أن التحري والتحقيق الأولي-المبدئي الذي تجرية الشرطة، والقبض، والتفتيش، وتقييد الحرية، تمثل بطبيعتها أخطر صور تدخل الدولة في مواجهة الفرد، ومن ثم، لا يجوز أن تُترك لسلطة تقديرية مطلقة دون رقابة قضائية فعّالة، وإلا تحولت العدالة الجنائية من أداة لحماية المجتمع إلى وسيلة لإنتاج الخوف وعدم الثقة بين المواطن والدولة. كما أن التجربة السودانية نفسها، تكشف أن التوسع في الاستثناءات الإجرائية أو تحصين بعض القرارات العدلية، لا يؤدي بالضرورة إلى استقرار أمني مستدام، بل قد يفضي إلى نتائج عكسية تتمثل في الآتي: تآكل الشرعية القانونية؛ وإضعاف ثقة المواطنين في العدالة؛ وازدياد اللجوء إلى البنى التقليدية والعرفية خارج مؤسسات الدولة؛ وتعميق الفجوة بين المجتمع والأجهزة العدلية.

ولذلك، فإن المطلوب ليس تقليص سلطات الشرطة، بقدر ما هو إعادة هندسة العلاقة بين الشرطة والنيابة الجنائية والقضاء داخل فلسفة (العدالة الجنائية الدستورية) .

زر الذهاب إلى الأعلى