(الضؤ الشارد) عندما تتساقط أوراق الدبلوماسية إنجمينا ترفع البطاقة الحمراء في وجه الخرطوم بقلم الاستاذ/ ملوك ميوت ايواك

قرار السلطات التشادية بإغلاق القنصلية السودانية وطلب مغادرة العاملين فيها فوراً ليس مجرد إجراء دبلوماسي عابر بل يمثل مؤشراً جديداً على حجم التدهور الذي أصاب العلاقات بين الخرطوم وإنجمينا في ظل تداعيات الحرب السودانية وتعقيدات المشهد الإقليمي المتشابك.
فعندما تصل العلاقات بين دولتين جارتين تربطهما حدود طويلة ومصالح أمنية واقتصادية مشتركة إلى مرحلة إغلاق البعثات الدبلوماسية فإن الأمر يتجاوز الخلافات التقليدية ليعكس أزمة ثقة عميقة باتت تلقي بظلالها على الاستقرار الإقليمي بأكمله. وتشاد التي ظلت لسنوات تمثل إحدى أهم بوابات السودان نحو غرب أفريقيا، تبدو اليوم وكأنها تعيد رسم حدود تعاملها السياسي والأمني مع الأزمة السودانية وفق معطيات جديدة فرضتها تطورات الحرب.
إن هذا القرار يحمل في طياته رسائل سياسية متعددة الاتجاهات. فهو من جهة يعبر عن حالة احتقان متصاعدة بين البلدين، ومن جهة أخرى يكشف أن تداعيات الصراع السوداني لم تعد محصورة داخل الحدود الوطنية، بل أصبحت تؤثر بصورة مباشرة على شبكة العلاقات الإقليمية التي تشكل أحد أهم مرتكزات الأمن والاستقرار في المنطقة.
ولعل الأخطر في المشهد أن مثل هذه التطورات تأتي في وقت يحتاج فيه السودان إلى توسيع دائرة أصدقائه لا إلى خسارة المزيد من شركائه الإقليميين. فالحروب لا تستنزف الجيوش والاقتصادات فحسب، وإنما تستهلك أيضاً رصيد الدول من العلاقات والتحالفات، وعندما تبدأ أوراق الشجرة بالتساقط فإن السؤال لا يكون عن الورقة التي سقطت، بل عن حال الجذع الذي فقد قدرته على الاحتفاظ بأوراقه.
وفي السياسة كما في الطبيعة، لا تسقط الأوراق دفعة واحدة، بل تبدأ ورقة بعد أخرى حتى يكتشف الجميع أن الشجرة التي كانت وارفة الظلال أصبحت عارية أمام رياح المتغيرات. ولذلك فإن حادثة إغلاق القنصلية السودانية في تشاد ينبغي ألا تُقرأ كخبر دبلوماسي عابر، وإنما كجرس إنذار يدعو إلى مراجعة شاملة لمسار العلاقات الخارجية السودانية، وإلى البحث عن حلول سياسية توقف نزيف الحرب قبل أن يمتد أثره إلى ما تبقى من جسور التواصل مع المحيط الإقليمي.
فالدول القوية لا تُقاس فقط بما تملكه من السلاح والنفوذ، وإنما أيضاً بعدد الأبواب التي تبقى مفتوحة أمامها حين تشتد الأزمات. واليوم يبدو أن باباً آخر قد أُغلق، بينما يبقى السؤال الأكبر: هل تتوقف عنده الريح، أم أن موسم تساقط الأوراق لم يبلغ نهايته بعد؟

