عبد اللطيف السيدح/ يكتب : بعد تكليفه بمهام الأمانة العامة للمجلس الأعلى للحج والعمرة، هل تسلم دكتور حيدر جميع صلاحياته، أم رم الجرح على فساد ؟

يحمل القرار الوزاري رقم (21) لسنة 2026 في ظاهره رسالة طمأنة مفادها أن الوزارة لا تريد ترك فراغ إداري في المجلس الأعلى للحج والعمرة بعد انتهاء تكليف الأستاذ عمر مصطفى الأمين العام السابق، ولذلك سارعت إلى تكليف الدكتور حيدر محمد زين عبد الكريم بتسيير مهام الأمين العام إلى حين صدور قرار آخر. لكن القراءة المتأنية لما بين السطور تفتح الباب أمام عدد من التساؤلات المهمة التي ستحدد مستقبل موسم حج 1448هـ.
أول ما يلفت الانتباه أن القرار جاء بصيغة تسيير مهام وليس تعيين أمين عام. والفارق بين العبارتين كبير؛ فالتسيير عادة يرتبط بمرحلة انتقالية مؤقتة، بينما التعيين يمنح صاحبه استقرارا إداريا وتنفيذيا يمكنه من اتخاذ قرارات استراتيجية بعيدة المدى. ولذلك فإن نجاح الدكتور حيدر لن يكون رهينا بكفاءته وحدها، وإنما بمدى ما سيمنح له من صلاحيات فعلية وكاملة يضع على ضوئها الرجل المناسب في المكان المناسب.
أما
إذا ما الجُرح رُم على فساد
تبيَّن فيه تفريط الطبيب
و من للمعلوم بالضرورة فإنه ومع بداية العام الهجري الجديد تكون جميع بعثات الحج الإسلامية، قد شرعت بالفعل في التعامل مع المصفوفة والاشتراطات الجديدة الصادرة من وزارة الحج والعمرة السعودية، وهذه مرحلة لا تحتمل التأخير أو التردد. فالدروس القاسية التي خلفها موسم 1447هـ أثبتت أن التأخر في حجز الأراضي بالمشاعر المقدسة ، والتباطؤ في إكمال التعاقدات والخدمات الأساسية مما انعكس مباشرة على راحة الحجاج وتكلفة الحج وجودة الخدمات المقدمة لهم.
ومن هنا فإن الاختبار الأول للأمين العام المكلف لن يكون في إصدار التوجيهات أو عقد الاجتماعات، بل في قدرته على حسم الملفات العاجلة، وعلى رأسها
إكمال ترتيبات حجز الأراضي بالمشاعر المقدسة مبكرا، إضافة لإنجاز مصفوفة حزم الخدمات، إعاشة، إسكان، نقل، وإعادة بناء الثقة بين المجلس والجهات الشريكة، مع وضع خطة تشغيل واضحة للموسم تستفيد من أخطاء الموسم المنصرم.
غير أن السؤال الأكثر أهمية يظل هل تسلم الدكتور حيدر كامل أدوات الإدارة أم مجرد لقب إداري؟ فالتجارب السابقة داخل منظومة الحج السودانية أثبتت أن بعض المسؤولين كانوا يحملون المسؤولية دون أن يملكوا القرار، وأن مراكز النفوذ المتعددة كانت قادرة على إبطاء التنفيذ أو تعطيل المبادرات أو ما يعرف بـ”وضع العصى في الدواليب”.
كذلك يبرز ملف الملحقية الإدارية بمكة المكرمة باعتباره واحدا من أكثر الملفات حساسية وإلحاحا، أمام الأمين العام الجديد ،فهناك موظفون تشتتت أوضاعهم الوظيفية والإنسانية، ولا تزال مظالمهم بحسب ما يروون معلقة بلا معالجة منصفة حتى الآن. وهذه القضية لا تتعلق بحقوق وظيفية فحسب، إنما تمس سمعة المؤسسة وعدالتها الداخلية، لأن الموظف المظلوم لا ينسى، ودعوات أصحاب الحقوق تبقى عبئا أخلاقيا وإداريا على أي مؤسسة.
كما أن ملف المقر الدائم لبعثة الحج السودانية في مكة المكرمة لم يعد ترفا إداريا يمكن تأجيله. فبعثة بحجم السودان تستحق مقرا يليق بمكانتها ويعكس هيبة الدولة ويسهل إدارة أعمالها الموسمية المتشعبة بدلا من حالة الترحال وعدم الاستقرار التي لازمت هذا الملف لسنوات.
ومع كل ذلك، فإن القرار يمنح بصيص أمل لا يجوز تجاهله. فالدكتور حيدر يأتي في توقيت حرج لكنه توقيت يمنحه فرصة نادرة للبدء مبكرا قبل تراكم الاستحقاقات الزمنية. وإذا منح الصلاحيات الكاملة والدعم المؤسسي الحقيقي، فقد يكون قادرا على تصحيح مسار كثير من الملفات.
لكن التفاؤل هنا يجب أن يبقى حذرا، فالأزمة التي عاشها موسم الحج الماضي لم تكن أزمة أشخاص بقدر ما كانت أزمة بنية إدارية وآليات اتخاذ قرار. لذلك فإن نجاح التكليف لن يقاس بحسن النوايا ولا بالتصريحات المطمئنة، وإنما بسرعة الحسم، ووضوح الصلاحيات، والقدرة على تحويل الدروس المؤلمة لموسم 1447هـ إلى إصلاحات عملية قبل أن تطرق أبواب الموسم الجديد.
وعليه، فإن الأيام والأسابيع المقبلة ستكون كفيلة بالإجابة عن السؤال الحقيقي هل جاء قرار التكليف ليؤسس لمرحلة إصلاح جادة، أم أنه مجرد تبريد مؤقت للأزمة بانتظار قرار آخر؟ الزمن وحده سيكشف ذلك، لكن المؤكد أن موسم 1448هـ بدأ عده التنازلي بالفعل، وأن هامش الخطأ هذه المرة أصبح أضيق من أي وقت مضى.

