(الضؤ الشارد) بين العمامة والبيت الأبيض.. عندما تتصارع الروايات وتسقط الأقنعة بقلم الاستاذ/ ملوك ميوت ايواك

في السياسة السودانية كثيراً ما تتحول الحقائق إلى ساحة معركة لا تقل ضراوة عن ميادين القتال. فكل طرف يحمل روايته الخاصة ويعرض التاريخ كما لو أنه مرآة صُنعت خصيصاً لتعكس صورته وحده. وفي أحدث حلقات هذا الجدل جاءت تصريحات الإعلامي عبد الماجد عبد الحميد والناشط معمر موسى لتفتح من جديد ملف العلاقة الشائكة بين الإسلاميين والولايات المتحدة، وهو ملف ظل لعقود محاطاً بالضباب والشعارات والاتهامات المتبادلة.
عبد الماجد أراد أن يبعث برسالة سياسية مفادها أن العالم لا تحكمه العواطف ولا الشعارات بل المصالح والقوة على الأرض. فواشنطن بحسب رؤيته لا تسأل كثيراً عن الأيديولوجيات بقدر ما تبحث عمن يملك أوراق التأثير والنفوذ. وهي رسالة تحمل في طياتها إقراراً ضمنياً بأن موازين القوى القديمة قد تغيرت وأن الأحزاب التي ظلت تعيش على أمجاد البيانات والمؤتمرات ربما لم تعد اللاعب الوحيد في الساحة.
لكن معمر موسى قلب الطاولة بالكامل، ولم يناقش الحاضر فقط بل عاد إلى دفاتر التاريخ ليفتح ملفات أكثر إحراجاً. فبدلاً من الحديث عن براعة الإسلاميين في فرض أنفسهم على المشهد قدم رواية مختلفة تقول إنهم لم يكونوا يوماً خصوماً حقيقيين للغرب بل أدوات جرى توظيفها في مراحل متعددة لخدمة مشاريع دولية أكبر منهم. ومن هنا تحولت المعركة من سؤال..
من الأقوى اليوم؟. إلى سؤال أكثر خطورة
من كان يخدم من طوال هذه العقود؟
المفارقة أن الطرفين رغم اختلافهما الظاهر، يلتقيان عند نقطة واحدة دون أن يقصدا ذلك. فكلاهما يعترف بأن الولايات المتحدة كانت ولا تزال لاعباً مركزياً في تشكيل المشهد السياسي بالمنطقة. الفرق فقط أن عبد الماجد يراها قوة تتعامل مع الواقع كما هو بينما يراها معمر مهندساً قديماً لبعض تلك الوقائع نفسها.
وإذا كان الإسلاميون قد أمضوا سنوات طويلة في رفع شعارات مقاومة الإمبريالية والاستكبار العالمي فإن خصومهم يذكرونهم دائما بأن أجهزة الدولة في عهدهم كانت تتبادل المعلومات الأمنية مع الغرب وأن الخطاب الثوري لم يكن دائماً مطابقاً لما يجري خلف الأبواب المغلقة. إنها تلك المفارقة السودانية الشهيرة صوت مرتفع في المنصة وخط ساخن في الكواليس.
والأكثر إثارة أن السجال يكشف أزمة أعمق داخل النخبة السياسية السودانية نفسها. فكل تيار يتهم الآخر بالارتماء في أحضان الخارج بينما لا يكاد يوجد فصيل سياسي لم يحاول يوماً البحث عن سند إقليمي أو دولي. الجميع يهاجم التبعية لكن الجميع يبحث عن نافذة تطل على العواصم المؤثرة. وكأن السياسة السودانية تحولت إلى سباق محموم نحو السفارات مع استمرار تبادل خطابات الوطنية أمام الجماهير.
فلا تكمن أهمية هذا الجدل في إثبات من كان أقرب إلى واشنطن فالتاريخ مليء بالتحالفات المتبدلة والمصالح المتغيرة. الأهم هو أن هذه السجالات تكشف هشاشة الخطابات التي بُنيت عليها مواقف كثيرة لعقود طويلة. فعندما تتساقط الشعارات وتُفتح ملفات الماضي يكتشف المواطن البسيط أن خصومات الأمس وتحالفات اليوم ليست سوى وجوه متعددة للعبة واحدة لعبة تُرفع فيها الرايات المختلفة لكن اللاعبين كثيراً ما يجلسون حول الطاولة نفسها.
في السودان لا يبدو أن المشكلة كانت يوماً في من صافح واشنطن أو من خاصمها بل في أولئك الذين باعوا الجماهير خطابات البطولة بينما كانت حسابات المصالح تُدار في الغرف المغلقة. وحين ينقشع غبار الشعارات يبقى السؤال المؤلم معلقاً في الهواء
كم من المعارك استعلت باسم المبادئ بينما كانت الحقيقة مجرد صراع على النفوذ والمقاعد؟ لقد سقطت أقنعة كثيرة وما زالت أقنعة أخرى تنتظر دورها في السقوط.

