مقالات الرأي

(الضؤ الشارد) الغلاء يطرد السودانيين من الأسواق.. حرب مستمرة وجيوب خاوية واقتصاد على حافة الشلل بقلم الاستاذ/ ملوك ميوت ايواك

 

يمثل المشهد الاقتصادي في السودان اليوم صورة مكتملة لأزمة مركبة تتجاوز مجرد ارتفاع الأسعار إلى حالة من الاختناق الاقتصادي الشامل. فبين حرب مستمرة عطلت الإنتاج والتجارة، وسياسات مالية ورسوم حكومية تثقل كاهل القطاع الخاص يجد المواطن السوداني نفسه محاصراً من كل الجهات بينما تتآكل قدرته الشرائية بوتيرة متسارعة.

لم يعد الغلاء في السودان ظاهرة موسمية أو أزمة عابرة بل تحول إلى واقع يومي يفرض نفسه على تفاصيل الحياة كافة. فإغلاق المحال التجارية وخروج عدد من التجار من الأسواق يعكس فقدان الثقة في استقرار النشاط التجاري بعدما أصبحت الأسعار تتغير خلال ساعات وأصبح من الصعب على التاجر والمستهلك معا توقع تكلفة السلع أو القدرة على شرائها.

وتكشف الزيادة المستمرة في تكلفة الحد الأدنى للإنفاق عن عمق الأزمة المعيشية إذ إن ارتفاع الأسعار لا يقابله أي تحسن في مستويات الدخل أو فرص العمل. ومع تراجع قيمة الجنيه أمام العملات الأجنبية وارتفاع تكاليف الاستيراد أصبحت السلع الأساسية بعيدة المنال بالنسبة لشرائح واسعة من المواطنين بينما تحولت الأولويات من تحسين مستوى المعيشة إلى مجرد تأمين الغذاء والماء والخدمات الضرورية.

الأزمة لا تقتصر على الأسواق فحسب بل تمتد إلى قطاع الإنتاج الذي يعاني شللا واسعا بسبب انقطاع الكهرباء والمياه وارتفاع تكاليف التشغيل. فالمصانع المتوقفة لا تعني فقط نقص السلع وارتفاع أسعارها وإنما تعني أيضا فقدان آلاف الوظائف واتساع دائرة البطالة والفقر. وعندما يتراجع الإنتاج المحلي وتتقلص الواردات في الوقت نفسه يصبح السوق أكثر هشاشة وأقل قدرة على مواجهة الصدمات.

كما أن استمرار فرض الرسوم والجبايات على المنتجين والتجار يفاقم من حدة الأزمة إذ تنتقل هذه الأعباء مباشرة إلى المستهلك النهائي. وبينما تحاول الجهات الرسمية الإشارة إلى تراجع طفيف في معدل التضخم فإن الواقع الميداني يكشف أن الأسعار ما زالت عند مستويات مرتفعة للغاية وأن المواطن لا يشعر بأي تحسن حقيقي في حياته اليومية. فتباطؤ التضخم لا يعني انخفاض الأسعار بل يعني فقط أن وتيرة ارتفاعها أصبحت أبطأ قليلاً.

الأخطر من ذلك أن الفجوة بين المدن والأرياف بدأت تتسع بصورة مقلقة مع ارتفاع معدلات التضخم في المناطق الريفية واستمرار ضعف الخدمات الأساسية ما يهدد بزيادة معدلات النزوح والفقر ويعمق الاختلالات الاجتماعية والاقتصادية.

وفي هذا الصدد تبدو أزمة الغلاء في السودان انعكاساً مباشراً لتداعيات الحرب وتعطل الإنتاج وانهيار الخدمات وتراجع قيمة العملة. وما لم تتوافر معالجات اقتصادية جذرية تعيد تشغيل عجلة الإنتاج وتخفف الأعباء عن القطاع الخاص وتوقف النزيف المستمر في القوة الشرائية فإن الأسواق ستواصل الانكماش وسيجد ملايين السودانيين أنفسهم أمام معركة يومية أشد قسوة من مجرد البحث عن السلع وهي معركة البقاء نفسها.

زر الذهاب إلى الأعلى