مشاهدات خليل فتحي خليل يكتب يا جهات الاختصاص… اليقظة واجب وطني

ليست قوة الدول في اتساع مساحتها فحسب، وإنما في قدرتها على حماية حدودها وصيانة مواردها والمحافظة على أمنها القومي. والسودان، بما يمتلكه من حدود برية طويلة ومترامية مع عدد من الدول، يواجه تحديات كبيرة في مجال مكافحة التهريب والجريمة المنظمة العابرة للحدود. لذلك فإن اليقظة الأمنية لم تعد خياراً، وإنما أصبحت ضرورة تفرضها الظروف التي تمر بها البلاد.
إن الحدود المفتوحة، مع ضعف الإمكانات التقنية وقلة وسائل المراقبة الحديثة في بعض المناطق، خلقت بيئة مناسبة لشبكات التهريب التي تستغل وعورة التضاريس واتساع المسافات لتنفيذ أنشطتها بعيداً عن أعين السلطات. وهذه الأنشطة لا تقتصر على تهريب السلع التموينية والوقود والدقيق والسكر والزيوت، بل تمتد إلى تهريب الأسلحة والمخدرات والذهب والثروة الحيوانية، وهي جرائم تستنزف الاقتصاد وتنعكس بصورة مباشرة على حياة المواطن.
فعندما تُهرَّب المواد التموينية إلى خارج البلاد، تظهر آثار ذلك في الأسواق المحلية من خلال ارتفاع الأسعار ونقص المعروض، بينما يكون المواطن البسيط هو أول من يدفع الثمن. كما أن تهريب الثروة الوطنية يحرم الدولة من موارد هي في أمس الحاجة إليها في هذه المرحلة الدقيقة.
أما تهريب المخدرات، فهو يمثل خطراً مضاعفاً، لأنه يستهدف الشباب، وهم عماد المستقبل. فانتشار السموم المخدرة لا يدمر الأفراد فقط، بل يهدد الأسر والمجتمع بأكمله، ويزيد من معدلات الجريمة والعنف والتفكك الاجتماعي.
ويظل تهريب الأسلحة من أخطر أنواع التهريب، لأنه يهدد الأمن والاستقرار، ويمنح الجماعات الإجرامية والمتمردة وسائل لإطالة أمد الصراعات وإشاعة الفوضى. ومن هنا فإن حماية الحدود تعني في المقام الأول حماية أرواح المواطنين وصون استقرار الوطن.
إن مواجهة هذه الظواهر تتطلب رؤية شاملة، تبدأ بتعزيز قدرات القوات النظامية العاملة على الحدود، وتزويدها بالتقنيات الحديثة من طائرات مسيرة، وكاميرات مراقبة، وأنظمة رصد واتصالات متطورة، إضافة إلى توفير وسائل الحركة والإمداد التي تمكنها من أداء واجبها بكفاءة.
كما أن التعاون بين الأجهزة الأمنية والاستخباراتية والجمارك والشرطة والقوات المسلحة يمثل ركيزة أساسية في مكافحة شبكات التهريب، لأن هذه الشبكات أصبحت أكثر تنظيماً وتستخدم وسائل متطورة وتتجاوز الحدود الجغرافية.
ولا يقتصر الأمر على الجانب الأمني وحده، فالمجتمعات الحدودية نفسها ينبغي أن تكون شريكاً في حماية الوطن، عبر نشر الوعي بخطورة التهريب، وفتح فرص اقتصادية مشروعة لأبناء تلك المناطق حتى لا يقعوا فريسة لعصابات الإغراء المالي.
وفي ظل الظروف التي يعيشها السودان، فإن الحفاظ على الأمن الاقتصادي لا يقل أهمية عن الحفاظ على الأمن العسكري، لأن الاقتصاد القوي يمثل أحد أعمدة استقرار الدولة. وكل شاحنة يتم تهريبها، وكل قطعة سلاح تعبر الحدود بصورة غير مشروعة، وكل شحنة مخدرات تصل إلى الداخل، هي خسارة للوطن قبل أن تكون مخالفة للقانون.
إننا نوجه هذه الرسالة إلى جهات الاختصاص، وإلى كل الأجهزة المعنية بحماية الحدود، وإلى كل مواطن غيور على وطنه، بأن المرحلة تتطلب أعلى درجات اليقظة والتنسيق والعمل المشترك. فالسودان يستحق أن تُحمى حدوده، وأن تُصان موارده، وأن يعيش شعبه في أمن واستقرار.
إن أمن الحدود هو أمن للوطن كله، ومكافحة التهريب ليست مسؤولية جهة واحدة، بل هي مسؤولية دولة ومجتمع. وكل خطوة تُتخذ لتعزيز الرقابة وتطوير وسائل الحماية ودعم القوات العاملة في الميدان، هي استثمار حقيقي في مستقبل السودان. فلنكن جميعاً عيوناً ساهرة من أجل وطن آمن، واقتصاد قوي، وحدود عصية على كل من يحاول العبث بمقدرات البلاد.

