مقالات الرأي

فريق شرطة حقوقي دكتور/ الطيب عبدالجليل حسين يكتب السودان بعد الحرب… من الدولة الريعية إلى الدولة التنموية ،،،،،، الثروة الطبيعية ليست للبيع… بل لبناء الإنسان والعمران (1)

 

من الكُتب التي استوقفتني منذ سنوات، وعدت إليها مرة أخرى في هذه المرحلة المفصلية من تاريخ السودان، كتاب الأخ والصديق الدكتور محمد الزين محمد الموسوم (الضمانات القانونية للاستثمارات الأجنبية في السودان وأثرها على الأمن القومي الاستراتيجي)، الصادر عن مكتبة جزيرة الورد بالقاهرة، الطبعة الأولى، 2017م. ويكتسب هذا الكتاب أهميته عندي لأنه لم يتناول الاستثمار الأجنبي بوصفه مجرد نشاط اقتصادي أو علاقة تعاقدية بين الدولة والمستثمر، وإنما تناوله من زاوية أكثر عمقاً، تتمثل في العلاقة بين الاستثمار والسيادة الوطنية والأمن القومي الاستراتيجي، وهي زاوية لا تزال تحظى بقدر محدود من الاهتمام في الأدبيات القانونية السودانية.

وأثناء إعادة قراءة هذا العمل العلمي، استوقفني خلال الأيام الماضية تسجيل صوتي منسوب إلى السيد العميد بحري ركن صلاح الدين محمد أحمد كرار – وزير طاقة أسبق، إلى جانب عدد من المنشورات الإلكترونية والصحفية والإعلامية التي تناولت مزاعم بشأن اتفاقية استثمارية بين جمهورية السودان وجمهورية الصين الشعبية لاستغلال خام النحاس بمنطقة أرياب بشرق السودان. وبغض النظر عن صحة أو عدم صحة ما ورد في تلك التسجيلات أو المنشورات، فإن القيمة الحقيقية لهذا الجدل لا تكمن في الوقوف عند تفاصيل اتفاقية بعينها، أو تقييم مواقف أشخاص بعينهم، وإنما في أنه أعاد إلى الواجهة سؤالاً دستورياً واستراتيجياً بالغ الأهمية، يتعلق بمستقبل الدولة السودانية في مرحلة ما بعد الحرب.

ذلك السؤال هو: كيف يمكن للسودان أن يؤسس نموذجاً قانونياً ودستورياً لإدارة موارده الطبيعية، يحقق التوازن بين جذب الاستثمار الوطني والأجنبي وحماية السيادة الوطنية، ويحول الثروة الطبيعية إلى رافعة للتنمية البشرية والعمرانية المستدامة، بدلاً من أن تتحول إلى مصدر للريع الاقتصادي أو التنافس السياسي أو النزاعات المسلحة؟

وهذا السؤال، في تقديري، يمثل جوهر النقاش الذي ينبغي أن ينشغل به السودانيون اليوم. فالقضية ليست النحاس وحده، ولا الذهب وحده، ولا حتى النفط الذي كان لعقود مضت (1999م – 2011م) المصدر الرئيسي للإيرادات العامة، وإنما القضية تتعلق بالنموذج الاقتصادي والدستوري الذي حكم إدارة الموارد الطبيعية في السودان منذ الاستقلال. فقد انتقلت الدولة من الاعتماد على الاقتصاد الزراعي الريعي الذي مثله مشروع الجزيرة، إلى الاقتصاد النفطي الريعي، ثم إلى اقتصاد الذهب والمعادن الريعي، دون أن يصاحب ذلك تحول مؤسسي وتشريعي يخرج السودان من الدولة الريعية إلى الدولة التنموية.

ولذلك، فإن أي نقاش حول اتفاقية استثمارية، أياً كان طرفاها، ينبغي ألا ينحصر في السؤال التقليدي: هل الاتفاقية جيدة أم سيئة؟ وإنما يجب أن يسبق ذلك سؤال أكثر عمقاً: هل يملك السودان أصلاً إطاراً دستورياً وتشريعياً ومؤسسياً قادراً على إدارة موارده الاستراتيجية وفق رؤية وطنية طويلة المدى؟

إن الفقه الدستوري الحديث، لم يعد ينظر إلى الموارد الطبيعية بوصفها مجرد أموال عامة أو أصول اقتصادية، وإنما يعُدها من مقومات السيادة الدستورية للدولة، ومن عناصر الأمن القومي الاقتصادي. كما استقر القانون الدولي على مبدأ السيادة الدائمة للشعوب على مواردها الطبيعية، وهو مبدأ يقتضي أن تكون الدولة أمينة على هذه الموارد، تديرها باسم الشعب ولصالح الأجيال الحاضرة والقادمة، لا مالكة لها تتصرف فيها بمعزل عن مقتضيات الدستور والمصلحة العامة.

ومن هذا المنطلق، فإن إعادة إعمار السودان بعد الحرب، لا ينبغي أن تبدأ بعقود الاستثمار وحدها، وإنما ينبغي أن تبدأ بإعادة بناء الفلسفة الدستورية لإدارة الثروة الوطنية. فالموارد الطبيعية لا تكتسب قيمتها الحقيقية بمجرد استخراجها أو تصديرها، وإنما حين تتحول إلى تعليم، وصحة، وصناعة، وبحث علمي، وبنية تحتية، ومدن منتجة، وفرص عمل، وعدالة تنموية بين الأقاليم.

إن السودان يقف اليوم أمام فرصة تاريخية لإعادة صياغة عقده الاقتصادي والاجتماعي بدسترته نصوص دستورية صريحة ومباشرة. وإذا كانت الحرب قد كشفت هشاشة الدولة، فإن مرحلة السلام يجب أن تؤسس لدولة قانون تجعل من السيادة الاقتصادية أحد أركان السيادة الدستورية، ومن إدارة الموارد الطبيعية قضية وطنية تتجاوز الحكومات والأشخاص، لتصبح التزاماً دائماً تجاه الشعب والأجيال القادمة.

إن السؤال المتعلق بكيفية بناء نموذج دستوري وقانوني لإدارة الموارد الطبيعية في السودان، يحقق التوازن بين حماية السيادة الوطنية، وجذب الاستثمار، وتحقيق التنمية المستدامة، وتحويل الثروة الطبيعية إلى تنمية بشرية وعمرانية، لا يرتبط بالنحاس وحده، ولا بالذهب وحده، ولا حتى بالنفط الذي شكّل خلال الفترة من 1999م إلى 2011م المورد الرئيس للخزانة العامة، وإنما يتصل بطبيعة النموذج الاقتصادي الذي حكم الدولة السودانية منذ نشأتها الحديثة.

فمنذ مشروع الجزيرة الذي مثّل أول مشروع تنموي وطني واسع النطاق قائم على اقتصاد القطن، مروراً بمرحلة استخراج النفط، وصولاً إلى اقتصاد الذهب والمعادن الاستراتيجية، ظل السودان يتحرك داخل إطار الدولة الريعية التي تعتمد على استخراج الموارد الأولية وتصديرها في صورتها الخام، واستهلاك عائداتها في تمويل الإنفاق العام، دون أن تنجح في تحويل تلك الثروات إلى رأس مال إنتاجي أو إلى سلاسل للقيمة المضافة (Value Added Chains) تقوم على التصنيع، ونقل التكنولوجيا، وتوطين المعرفة، وتطوير رأس المال البشري، وخلق فرص العمل، وتعزيز القدرة التنافسية للاقتصاد الوطني.

وقد ترتب على هذا النموذج الاقتصادي أن ظلت القيمة الاقتصادية الحقيقية المتولدة من الموارد الطبيعية تُستكمل خارج الحدود الوطنية، حيث تُنقل المواد الخام إلى اقتصادات أخرى تتولى معالجتها وتصنيعها وتحويلها إلى منتجات ذات قيمة سوقية مرتفعة، بينما اقتصر نصيب الاقتصاد السوداني، في كثير من الأحيان، على العائد الأولي الناشئ عن استخراج الموارد، دون الاستفادة من المراحل اللاحقة والأكثر ربحية في سلاسل الإنتاج والتصنيع والتحويل والتسويق والخدمات اللوجستية. ونتيجة لذلك، لم تتحول الثروة الطبيعية إلى قاعدة إنتاجية وصناعية قادرة على توليد قيمة مضافة داخل الاقتصاد الوطني، بل أصبحت في كثير من الأحيان مصدراً لإيرادات ريعية قصيرة الأجل، الأمر الذي رسّخ التبعية الاقتصادية، وأضعف استقلال القرار الاقتصادي والسيادي للدولة، وحدّ من قدرتها على بناء اقتصاد متنوع وأكثر قدرة على الصمود أمام الأزمات.

وتكشف هذه التجربة أن الأزمة السودانية، ليست أزمة ندرة في الموارد الطبيعية، وإنما هي، في جوهرها، أزمة في الفلسفة الدستورية والقانونية والمؤسسية لإدارة الموارد العامة. فالدول لا تنهض بمجرد وفرة ثرواتها، وإنما تنهض بوجود مؤسسات دستورية رشيدة، وتشريعات مستقرة، وإدارة عامة كفؤة، وآليات فعالة للحوكمة والرقابة والمساءلة، وسياسات تنموية تجعل من الثروة الطبيعية وسيلة لبناء الإنسان والعمران، لا مجرد مورد لتمويل الإنفاق الجاري أو إعادة إنتاج الأزمات الاقتصادية والسياسية.

ومن هنا، فإن الإشكالية الحقيقية التي يواجهها السودان لا تتمثل في اكتشاف الذهب أو النحاس أو النفط، ولا في حجم احتياطياته من الموارد الطبيعية، وإنما في الكيفية التي تُدار بها تلك الموارد، وفي مدى قدرة الدولة على تحويلها من مجرد مواد خام قابلة للتصدير إلى قاعدة للصناعة الوطنية، والتكنولوجيا، والابتكار، والتنمية الإقليمية المتوازنة، والعدالة الاجتماعية، وبناء الإنسان السوداني.

ولهذا، فإن أي نقاش عام يثار حول اتفاقية استثمارية، بصرف النظر عن أطرافها أو صحة ما يثار بشأنها، ينبغي ألا ينحصر في تقييم شروط عقد معين أو تقدير جدواه الاقتصادية فحسب، وإنما يجب أن يقود إلى مراجعة شاملة للنموذج الاقتصادي والدستوري الذي يحكم إدارة الموارد الطبيعية في السودان. فالسؤال الجوهري ليس: هل هذه الاتفاقية مجدية أم لا؟ وإنما: هل يمتلك السودان إطاراً دستورياً وتشريعياً ومؤسسياً يضمن أن تكون جميع عقود استغلال موارده الاستراتيجية أدوات لتحقيق التنمية الوطنية، وصون السيادة الاقتصادية، وتعظيم القيمة المضافة داخل الاقتصاد الوطني، وحماية حقوق الأجيال القادمة؟

وهنا تنتقل القضية من مجرد إدارة للاستثمار إلى قضية سيادة دستورية وأمن قومي اقتصادي؛ لأن الموارد الطبيعية لم تعُد، في الفقه الدستوري الحديث، مجرد أصول مالية أو أموال عامة، وإنما أصبحت من مقومات سيادة الدولة، وأحد مرتكزات استقلال قرارها الاقتصادي، وعنصراً أساسياً من عناصر أمنها القومي الاقتصادي. ومن ثم، فإن السياسات العامة والعقود المتعلقة باستغلال هذه الموارد، يجب أن تخضع لمنظومة متكاملة من المبادئ الدستورية والقانونية، تقوم على الشفافية، والحوكمة الرشيدة، والرقابة البرلمانية والقضائية، والمساءلة، والتوازن بين استقرار الاستثمار المشروع وحماية المصلحة الوطنية العليا.

وعليه، فإن الدول لم تعد تُقاس في عالم اليوم بحجم ما تختزنه أراضيها من ذهب أو نحاس أو نفط أو معادن استراتيجية، وإنما بقدرتها على إدارة تلك الثروات وفق رؤية دستورية واستراتيجية تحولها إلى قيمة مضافة داخل الاقتصاد الوطني، وتنمية مستدامة، وعدالة بين الأجيال، وسيادة اقتصادية راسخة. وهذه، في تقديري، هي القضية الجوهرية التي ينبغي أن تتصدر النقاش الوطني في السودان، وأن تشكل الأساس الفكري والقانوني لأي استراتيجية وطنية لإعادة بناء الدولة وحماية سيادتها الاقتصادية في مرحلة ما بعد الحرب.

وقد استقر الفقه الدستوري الحديث، كما كرسته قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة بشأن السيادة الدائمة للشعوب على مواردها الطبيعية، على أن الموارد الطبيعية لا تُعد ملكاً للحكومة أو للسلطة التنفيذية، وإنما هي ملك للشعب، تمارس الدولة ولايتها عليها باعتبارها ولاية ائتمانية (Public Trust)، تلتزم الحكومة (السلطة التنفيذية) بموجبها بإدارتها بما يحقق المصلحة العامة ويحفظ حقوق الأجيال الحاضرة والقادمة. ومن ثم، فإن السلطة التنفيذية لا تتصرف في هذه الموارد بوصفها مالكاً، وإنما بوصفها أميناً يخضع لقيود الدستور والقانون، ولرقابة المؤسسات الدستورية المختصة.

ومن هذا المنطلق، فإن أي اتفاق يتعلق بالموارد الطبيعية ذات الطبيعة الاستراتيجية السيادية، لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد عقد تجاري بين الدولة ومستثمر، وإنما باعتباره تصرفاً من أعمال السيادة الاقتصادية، لما يترتب عليه من آثار بعيدة المدى تمس الأمن القومي، والاستقلال الاقتصادي، والعدالة الاجتماعية، والتنمية الإقليمية، وحقوق الأجيال القادمة. ولذلك، فإن إبرام مثل هذه العقود – اتفاقيات الموارد الطبيعية ذات الطبيعة الاستراتيجية السيادية – يجب أن يخضع لمنظومة متكاملة من الضمانات الدستورية والقانونية، تشمل الشفافية، والتقييم الاقتصادي والبيئي والاجتماعي، والرقابة التشريعية والقضائية، وضمان توافقها مع المصلحة العامة.

كما تكشف التجربة السودانية، أن الانتقال من اقتصاد يعتمد على الزراعة إلى اقتصاد يعتمد على النفط، ثم إلى اقتصاد يقوم على الذهب والتعدين، لم يصاحبه تحول موازٍ في بنية الدولة أو في فلسفة التشريع الاقتصادي. فظلت الموارد تستخرج في معظم الأحيان بوصفها سلعة للتصدير الخام، بينما بقيت حلقات التصنيع، ونقل التكنولوجيا، وبناء القدرات الوطنية، خارج معادلة الاستثمار. ومن ثم، لم تتحول الثروة إلى قيمة مضافة Value Added Chains، ولم تتحول الإيرادات إلى تنمية بشرية أو عمرانية مستدامة.

ويزداد هذا التحدي تعقيداً في ظل التوسع الكبير للتعدين الأهلي، الذي أصبح يمثل واقعاً اقتصادياً واجتماعياً لا يمكن تجاهله. فقد أسهم هذا النشاط في زيادة الإنتاج وتوفير مصادر دخل لشرائح واسعة من المواطنين، إلا أنه كشف، في المقابل، عن اختلالات هيكلية عميقة تمثلت في انتشار التعدين غير المنظم، واستخدام مواد ضارة بالإنسان والبيئة، وضعف الرقابة المؤسسية، وفقدان الدولة لجزء معتبر من الإيرادات العامة، فضلاً عن تنامي ظاهرة الاتجار غير المشروع بالمعادن وتهريبها خارج البلاد. ومن ثم، فإن الإصلاح لا يكون بمحاربة التعدين الأهلي، وإنما بإدماجه في الاقتصاد الرسمي، وتنظيمه في إطار قانوني ومؤسسي واضح، وتوفير البدائل التقنية والتمويلية والبيئية التي تكفل استدامته وتحمي العاملين فيه والمجتمعات المحلية.

ويضاف إلى ذلك تحدٍ آخر لا يقل خطورة، يتمثل في التهريب المنظم للذهب والمعادن الاستراتيجية عبر الحدود البرية الممتدة مع الدول المجاورة، فضلاً عن المنافذ الجوية والبحرية، بما يؤدي إلى استنزاف الثروة الوطنية، وحرمان الخزانة العامة من موارد مالية ضخمة، وتقويض استقرار السياسات النقدية والمالية، والإضرار بميزان المدفوعات والاحتياطي من النقد الأجنبي، فضلاً عن تهيئة بيئة خصبة لشبكات الجريمة المنظمة العابرة للحدود، وغسل الأموال، وتمويل الأنشطة غير المشروعة. ولم يعد تهريب الذهب والمعادن الاستراتيجية، في ظل هذه الآثار المركبة، مجرد مخالفة جمركية أو جريمة اقتصادية تقليدية، بل أصبح اعتداءً مباشراً على الأمن القومي الاقتصادي والسيادة الاقتصادية للدولة؛ إذ تمثل هذه الموارد جزءاً من الثروة السيادية التي يقوم عليها الاستقرار المالي والنقدي، وتمويل التنمية، وإعادة الإعمار، وتعزيز استقلال القرار الوطني. ومن ثم، فإن الاعتداء عليها أو تهريبها في إطار منظم يرتقي، من حيث طبيعته وآثاره، إلى مستوى الجرائم الماسة بالمصالح العليا للدولة، بما يقتضي إعادة النظر في السياسة الجنائية والتشريعية الحاكمة لهذا النوع من الجرائم.

ومن هذا المنطلق، فإن السياسة الجنائية الحديثة في السودان، مطالبة بإعادة النظر في التكييف القانوني لهذه الأفعال، وذلك من خلال إدراج جرائم تهريب الذهب والمعادن الاستراتيجية، متى ارتكبت في إطار إجرامي منظم، أو عبر شبكات عابرة للحدود، أو انطوت على مساس جسيم بالمصالح الاقتصادية العليا للدولة، ضمن جرائم أمن الدولة الاقتصادي، باعتبارها جرائم تتجاوز مجرد الإضرار بالمال العام أو مخالفة القوانين الجمركية، لتصل إلى حد تهديد الاستقرار الاقتصادي والسيادة الوطنية والأمن القومي الاقتصادي. ويستوجب ذلك إعادة بناء المنظومة التشريعية المنظمة لقطاع التعدين والتجارة في المعادن الاستراتيجية، بإصدار قانون حديث يجرّم تهريب الموارد الطبيعية بوصفه من الجرائم الجسيمة الماسة بالأمن الاقتصادي للدولة، ويضع إطاراً قانونياً متكاملاً للتحري والتحقيق وجمع الأدلة، وتتبع العائدات غير المشروعة، ومصادرة الأموال والمتحصلات والأدوات ووسائل النقل المستخدمة في ارتكاب الجريمة، وتفكيك الشبكات الإجرامية المنظمة، وتعزيز آليات التعاون الإقليمي والدولي في مكافحة التهريب وغسل الأموال، إلى جانب تحديث منظومة الرقابة على المنافذ البرية والبحرية والجوية باستخدام التقنيات الحديثة. كما ينبغي أن يقرر هذا الإطار التشريعي عقوبات رادعة ومتدرجة تتناسب مع جسامة الفعل، ودور الجاني، والنتائج المترتبة على الجريمة، بحيث لا تقل عقوبة السجن في الجرائم الجسيمة عن عشر سنوات، مع جواز تقرير السجن المؤبد أو عقوبة الإعدام في الحالات التي يحددها القانون على سبيل الحصر، متى اقترنت الجريمة بظروف مشددة تمس الأمن القومي الاقتصادي أو ترتب عليها ضرر بالغ بالمصالح العليا للدولة، وذلك كله مع مراعاة الضمانات الدستورية، ومبدأ الشرعية الجنائية، ومبدأ التناسب بين الجريمة والعقوبة، وضمانات المحاكمة العادلة.

وفي المقابل، فإن السودان لا يستطيع أن يدير ظهره للاستثمار الأجنبي، لأن إعادة الإعمار بعد الحرب تتطلب رؤوس أموال ضخمة، وخبرات فنية، وتقنيات حديثة. إلا أن الاستثمار الذي يحتاجه السودان ليس استثماراً يقوم على استخراج الخام وتصديره، وإنما استثمار يقوم على الشراكة التنموية، ونقل التكنولوجيا، وتوطين الصناعات، وتدريب الكوادر الوطنية، وتعظيم القيمة المضافة داخل الاقتصاد الوطني. فالثروة الحقيقية لا تتحقق عند استخراج المعدن من باطن الأرض، وإنما عند تحويله إلى صناعة، ومعرفة، وفرص عمل، وعمران وتنمية بشريه. ومن هنا فإن المرحلة المقبلة، تقتضي مراجعة شاملة للمنظومة الدستورية والتشريعية الحاكمة للموارد الطبيعية، من خلال تبني استراتيجية وطنية للسيادة الاقتصادية والتنمية المستدامة، يكون جوهرها الانتقال من منطق إدارة الموارد إلى منطق إدارة التنمية. وتشمل هذه الاستراتيجية إصلاح الإطار الدستوري، بما يقرر صراحة ملكية الشعب للموارد الطبيعية، وإصدار قانون حديث لحماية الموارد الطبيعية والسيادة الاقتصادية، وإنشاء مجلس أعلى للأمن الاقتصادي، وتأسيس صندوق سيادي للأجيال القادمة، وربط عائدات الموارد بتمويل التعليم والصحة والبحث العلمي والبنية التحتية، وإلزام المشروعات الاستثمارية بالمساهمة في التنمية المحلية والتصنيع ونقل التكنولوجيا.

إن التجارب الدولية الناجحة، من دولة النرويج إلى بوتسوانا، لم تحقق نجاحها، لأنها كانت أكثر ثراءً من السودان، وإنما لأنها نجحت في بناء مؤسسات قوية تحكم العلاقة بين الدولة والثروة. أما الدول التي أخفقت، فلم يكن سبب إخفاقها نقص الموارد، وإنما ضعف الحوكمة، وغياب الشفافية، وتحول الموارد إلى مجال للتنافس السياسي والاقتصادي بعيداً عن الاعتبارات الوطنية.

ولعل الحرب الدائرة في السودان منذ 15 أبريل 2023م، على قسوتها، تتيح فرصة تاريخية لإعادة بناء الدولة السودانية على أسس جديدة جذرية، بحيث تكون إعادة الإعمار مشروعاً لإعادة بناء المؤسسات قبل إعادة بناء المباني، وإعادة تأسيس الشرعية الدستورية قبل إعادة تشغيل الاقتصاد، وإعادة صياغة العلاقة بين الدولة والثروة على أساس سيادة القانون، لا على أساس منطق الريع الاقتصادي وذلك، أن السودان بعد الحرب لا يحتاج إلى اقتصاد يبيع موارده ليغطي نفقاته، وإنما إلى دولة تستثمر تلك الموارد في بناء الإنسان، وإقامة العمران، وتعزيز الإنتاج، وترسيخ العدالة الاجتماعية. فالثروة الطبيعية ليست غاية في ذاتها، وإنما هي وسيلة لبناء وطن قوي ومستقر، يحفظ كرامة مواطنيه، ويصون سيادته، ويضمن حق الأجيال القادمة في مواردها.

فالتاريخ لا يقيس عظمة الأمم بما تختزنه أراضيها من ذهب ونحاس ونفط، وإنما يقيسها بقدرتها على تحويل تلك الثروات إلى مؤسسات راسخة، واقتصاد منتج، وإنسان متعلم، وعمران مستدام. وهذه، في تقديري، هي القضية الدستورية والاستراتيجية التي ينبغي أن تتصدر الحوار الوطني السوداني في مرحلة ما بعد الحرب، وأن تكون منطلقاً لعقد اجتماعي واقتصادي جديد يؤسس لدولة القانون والتنمية، لا لدولة الريع والأزمات، ونواصل للحديث بقية.

دكتور/ الطيب عبدالجليل حسين محمود

المحامي استشاري القانون والموثق

03 يوليو 2026م

زر الذهاب إلى الأعلى