(الضؤ الشارد) وثائق رويترز تفضح مأزق الحرب.. البرهان يرفض الانسحاب الجزئ ويشترط خروج الدعم السريع بالكامل.. هل بدأت معركة الشروط الأخيرة؟ بقلم/ ملوك ميوت ايواك

تظهر الوثائق التي كشفت عنها وكالة رويترز أن الحرب السودانية دخلت مرحلة جديدة لم تعد فيها المعارك العسكرية وحدها هي التي تحدد مسار الأحداث بل أصبحت شروط التفاوض نفسها ساحة صراع لا تقل ضراوة عن جبهات القتال. فالمقترح الأمريكي الذي يسعى إلى فتح نافذة لإنهاء الحرب عبر هدنة إنسانية تمتد لتسعين يوما اصطدم بعقبة سياسية وعسكرية كبرى تمثلت في رفض الحكومة السودانية لأي انسحاب جزئي لقوات الدعم السريع وإصرارها على الانسحاب الكامل من جميع المدن التي سيطرت عليها.
هذا الموقف يكشف أن الخرطوم لا تريد اتفاقا يمنح الدعم السريع فرصة لإعادة التموضع أو الاحتفاظ بأي نفوذ ميداني خلال المرحلة الانتقالية بل تسعى إلى فرض معادلة جديدة عنوانها أن أي تسوية يجب أن تبدأ بإزالة الواقع العسكري الذي فرضته الحرب لا التعايش معه أو تقنينه تحت غطاء هدنة إنسانية.
وفي المقابل فإن المقترح الأمريكي يبدو أنه حاول الموازنة بين الاعتبارات الإنسانية والواقع العسكري من خلال آلية تقودها الأمم المتحدة تشرف على انسحاب تدريجي يبدأ من أكثر المناطق اشتعالا وعلى رأسها شمال دارفور وشمال كردفان. غير أن الحكومة السودانية تنظر إلى هذا الطرح باعتباره وصفة لتجميد الصراع وليس إنهاءه وربما يمنح الدعم السريع فرصة لإعادة ترتيب صفوفه.
كما أن تضمين المقترح لبنود تتعلق بتشكيل جيش وطني موحد ونزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج وإطلاق عملية سياسية بقيادة مدنية يؤكد أن واشنطن لا تبحث فقط عن وقف إطلاق النار وإنما عن إعادة هندسة المشهد السياسي والعسكري السوداني بالكامل. لكن نجاح هذه الرؤية يظل مرهونا بقدرة الأطراف على تقديم تنازلات مؤلمة وهو ما لا تبدو مؤشراته حاضرة حتى الآن.
أما إعلان الدعم السريع تسلمه المقترح وتقديم رد مكتوب دون الكشف عن مضمونه فيعكس استمرار لعبة الغموض السياسي ويؤكد أن الفجوة بين الطرفين لا تزال واسعة وأن كل طرف يحاول تحسين موقعه قبل الدخول في أي تسوية محتملة.
الوثائق المسربة لا تكشف فقط تفاصيل مبادرة أمريكية بل تكشف أيضا حجم التعقيد الذي يحيط بملف السلام في السودان. فبين إصرار الحكومة على الانسحاب الكامل ورؤية دولية تقوم على التدرج تقف البلاد أمام مفترق طرق حاسم إما اتفاق يعالج جذور الأزمة أو استمرار حرب تستنزف الدولة والمجتمع فيما يدفع المدنيون الثمن الأكبر يوما بعد يوم.
ختاما لم تعد الأزمة في السودان أزمة مبادرات بل أزمة إرادات متصادمة. وبين شروط الانسحاب الكامل ورهانات التسويات المرحلية يبقى السؤال الحاسم هل تفرض السياسة ما عجزت عنه البنادق أم تستمر الحرب في ابتلاع ما تبقى من الوطن الجريح…!


